تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
الهروب ، فأرادت الخاتون أن تقبض عليه فتحول عنها إلى الجانب الغربي ، ونهبت داره وقطع الجسر الذي بين الجانبين ، وركبت الخاتون في جمهور الجيش ، وذهبت إلى همذان لأجل زوجها ، وسار الكندري ومعه أنوشروان بن تومان وأم الخاتون المذكورة ، ومعها بقية الجيش إلى بلاد الأهواز وبقيت بغداد ليس بها أحد من المقاتلة ، فعزم الخليفة على الخروج منها ، وليته فعل ، ثم أحب داره والمقام مع أهله ، فمكث فيها اغترارا ودعة ، ولما خلى البلد من المقاتلة قيل للناس : من أراد الرحيل من بغداد فليذهب حيث شاء ، فانزعج الناس وبكى الرجال والنساء والأطفال ، وعبر كثير من الناس إلى الجانب الغربي ، وبلغت المعبرة دينارا ودينارين لعدم الجسر . قال ابن الجوزي : وطار في تلك الليلة على دار الخليفة نحو عشر بومات مجتمعات يصحن صياحا مزعجا ، وقيل لرئيس الرؤساء المصلحة أن الخليفة يرتحل لعدم المقاتلة فلم يقبل ، وشرعوا في استخدام طائفة من العوام ، ودفع إليهم سلاح كثير من دار المملكة ، فلما كان يوم الأحد الثامن من ذي القعدة من هذه السنة جاء البساسيري إلى بغداد ومعه الرايات البيض المصرية ، وعلى رأسه أعلام مكتوب عليها اسم المستنصر بالله أبو تميم معد أمير المؤمنين ، فتلقاه أهل الكرخ الرافضة وسألوه أن يجتاز من عندهم ، فدخل الكرخ وخرج إلى مشرعة الزوايا ، فخيم بها والناس إذ ذاك في مجاعة وضر شديد ، ونزل قريش بن بدران في نحو من مائتي فارس على مشرعة باب البصرة ، وكان البساسيري ، قد جمع العيارين وأطمعهم في نهب دار الخلافة ، ونهب أهل الكرخ دور أهل السنة بباب البصرة ، ونهبت دار قاضي القضاة الدامغاني ، وتملك أكثر السجلات والكتب الحكمية ، وبيعت للعطارين ، ونهبت دور المتعلقين بخدمة الخليفة ، وأعادت الروافض الاذان بحي على خير العمل ، وأذن به في سائر نواحي بغداد في الجمعات والجماعات وخطب ببغداد للخليفة المستنصر العبيدي ، على منابرها وغيرها ، وضربت له السكة على الذهب والفضة ، وحوصرت دار الخلافة ، فجاحف الوزير أبو القاسم بن المسلمة الملقب برئيس الرؤساء ، بمن معه من المستخدمين دونه فلم يفد ذلك شيئا ، فركب الخليفة بالسواد والبردة ، وعلى رأسه اللواء وبيده سيف مصلت ، وحوله زمرة من العباسيين والجواري حاسرات عن وجوههن ، ناشرات شعورهن ، ومعهن المصاحف على رؤوس الرماح ، وبين يديه الخدم بالسيوف ، ثم إن الخليفة أخذ ذماما من أمير العرب قريش ليمنعه وأهله ووزيره ابن المسلمة ، فأمنه على ذلك كله ، وأنزله في خيمة ، فلامه البساسيري على ذلك ، وقال : قد علمت ما كان وقع الاتفاق عليه بيني وبينك ، من أنك لا تبت برأي دوني ، ولا أنا دونك ، ومهما ملكنا بيني وبينك . ثم إن البساسيري أخذ القاسم بن مسلمة فوبخه توبيخا مفضحا ، ولامه لوما شديدا ثم ضربه ضربا مبرحا ، واعتقله مهانا عنده ، ونهبت العامة دار الخلافة ، فلا يحصى ما أخذوا منها من الجواهر والنفائس ، والديباج والذهب والفضة ، والثياب والأثاث ، والدواب وغير ذلك ، مما لا يحد ولا يوصف . ثم اتفق رأى البساسيري وقريش على أن يسيروا الخليفة إلى أمير حديثة عانة ، وهو