تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
وذكر ابن الجوزي وغير أشياء كثيرة من شعره تدل على كفره ، بل كل واحدة من هذه الأشياء تدل على كفره وزندقته وانحلاله ، ويقال إنه أوصى أن يكتب على قبره : هذا جناه أبي علي * وما جنيت على أحد معناه أن أباه بتزوجه لامه أوقعه في هذه الدار ، حتى صار بسبب ذلك إلى ما إليه صار ، وهو لم يجن على أحد بهذه الجناية ، وهذا كله كفر وإلحاد قبحه الله . وقد زعم بعضهم أنه أقلع عن هذا كله وتاب منه ، وأنه قال قصيدة يعتذر فيها من ذلك كله ، ويتنصل منه ، وهي القصيدة التي يقول فيها : يا من يرى مد البعوض جناحها * في ظلمة الليل البهيم الأليل ويرى مناط عروقها في نحرها * والمخ في تلك العظام النحل أمنن علي بتوبة تمحو بها * ما كان مني في الزمان الأول توفي في ربيع الأول من هذه السنة بمعرة النعمان ، عن ست وثمانين سنة إلا أربعة عشر يوما ، وقد رثاه جماعة من أصحابه وتلامذته ، وأنشدت عند قبره ثمانون مرثاة ، حتى قال بعضهم ( 1 ) في مرثاة له : إن كنت لم ترق الدماء زهادة * فلقد أرقت اليوم من جفني دما قال ابن الجوزي : وهؤلاء الذين رثوه والذين اعتقدوه : إما جهال بأمره ، وإما ضلال على مذهبه وطريقه . وقد رأى بعضهم في النوم رجلا ضريرا على عاتقه حيتان مدليتان على صدره ، رافعتان رأسيهما إليه ، وهما ينهشان من لحمه ، وهو يستغيث ، وقائل يقول : هذا المعري الملحد وقد ذكره ابن خلكان فرفع في نسبه على عادته في الشعراء ، كما ذكرنا . وقد ذكر له من المصنفات كتبا كثيرة ، وذكر أن بعضهم وقف على المجلد الأول بعد المائة من كتابه المسمى بالأيك والغصون ، وهو المعروف بالهمز والردف ، وأنه أخذ العربية عن أبيه واشتغل بحلب على محمد بن عبد الله بن سعد النحوي ، وأخذ عنه أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي ، والخطيب أبو زكريا يحيى بن علي التبريزي ، وذكر أنه مكث خمسا وأربعين سنة لا يأكل اللحم على طريقة الحكماء ، وأنه أوصى أن يكتب على قبره : هذا جناه أبي علي * وما جنيت على أحد قال ابن خلكان : وهذا أيضا متعلق باعتقاد الحكماء ، فإنهم يقولون اتخاذ الولد وإخراجه إلى هذا الوجود جناية عليه ، لأنه يتعرض للحوادث والآفات . قلت : وهذا يدل على أنه لم يتغير عن
هامش
( 1 ) وهو أبو الحسن علي بن همام .