أيدي الكفرة . قال ابن الأثير : كان أول يوم منها يوم السبت ، وكان يوم النيروز ، وذلك أول سنة
الفرس ، واتفق أن ذلك كان أول سنة الروم ، وهو اليوم الذي نزلت فيه الشمس برج الحمل ،
وكذلك كان القمر في برج الحمل أيضا ، وهذا شئ يبعد وقوع مثله ، وبرز السلطان من دمشق يوم
السبت مستهل محرم في جيشه ، فسار إلى رأس الماء فنزل ولده الأفضل هناك في طائفة من الجيش
وتقدم السلطان ببقية الجيش إلى بصرى فخيم على قصر أبي سلام ، ينتظر قدوم الحجاج ، وفيهم
أخته ست الشام وابنها حسام الدين محمد بن عمر بن لاشين ( 1 ) ، ليسلموا من معرة برنس الكرك ،
فلما جاز الحجيج سالمين سار السلطان فنزل على الكرك وقطع ما حوله من الأشجار ، ورعى الزرع
وأكلوا الثمار ، وجاءت العساكر المصرية وتوافت الجيوش المشرقية ، فنزلوا عند ابن السلطان على
رأس الماء ، وبعث الأفضل سرية نحو بلاد الفرنج فقتلت وغنمت وسلمت ورجعت ، فبشر بمقدمات
الفتح والنصر ، وجاء السلطان بجحافله فالتفت عليه جميع العساكر ، فرتب الجيوش وسار قاصدا
بلا الساحل ، وكان جملة من معه من المقاتلة اثني عشر ألفا غير المتطوعة ، فتسامعت الفرنج بقدومه
فاجتمعوا كلهم وتصالحوا فيما بينهم ، وصالح قومس طرابلس وبرنس الكرك الفاجر ، وجاؤوا
بحدهم وحديدهم واستصحبوا معهم صليب الصلبوت يحمله منهم عباد الطاغوت ، وضلال
الناسوت ، في خلق لا يعلم عدتهم إلا الله عز وجل ، يقال كانوا خمسين ألفا وقيل ثلاثا وستين ألفا ،
وقد خوفهم صاحب طرابلس من المسلمين فاعترض عليه البرنس صاحب الكرك فقال له لا أشك
أنك تحب المسلمين وتخوفنا كثرتهم ، وستري غب ما أقول لك ، فتقدموا نحو المسلمين وأقبل
السلطان ففتح طبرية وتقوى بما فيها من الأطعمة والأمتعة وغير ذلك ، وتحصنت منه القلعة فلم يعبأ
بها ، وحاز البحيرة في حوزته ومنع الله الكفرة أن يصلوا منها إلى قطرة ، حتى صاروا من عطش
عظيم ، فبرز السلطان إلى سطح الجبل الغربي من طبرية عند قرية يقال لها حطين ، التي يقال إن فيها
قبر شعيب عليه الصلاة والسلام ، وجاء العدو المخذول ، وكان فيهم صاحب عكا وكفرنكا وصاحب
الناصرة وصاحب صور وغير ذلك من جميع ملوكهم ، فتواجه الفريقان وتقابل الجيشان ، وأسفر وجه
الايمان واغبر وأقتم وأظلم وجه الكفر والطغيان ، ودارت دائرة السوء على عبدة الصلبان ، وذلك
عشية يوم الجمعة ، فبات الناس على مصافهم وأصبح صباح يوم السبت الذي كان يوما عسيرا على
أهل الأحد وذلك لخمس بقين من ربيع الآخر ، فطلعت الشمس على وجوه الفرنج واشتد الحر وقوي
بهم العطش ، وكان تحت أقدام خيولهم حشيش قد صار هشيما ، وكان ذلك عليهم مشؤوما ، فأمر
السلطان النفاطة أن يرموه بالنفط ، فرموه فتأجج نارا تحت سنابك خيولهم ، فاجتمع عليهم حر
الشمس وحر العطش وحر النار وحر السلاح وحر رشق النبال ، وتبارز الشجعان ، ثم أمر السلطان
بالتكبير والحملة الصادقة فحملوا وكان النصر من الله عز وجل ، فمنحهم الله أكتافهم فقتل منهم
هامش
( 1 ) في الكامل وابن خلدون : لاجين .