تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 392

مساهمون:

ص٣٩٢
أيدي الكفرة . قال ابن الأثير : كان أول يوم منها يوم السبت ، وكان يوم النيروز ، وذلك أول سنة الفرس ، واتفق أن ذلك كان أول سنة الروم ، وهو اليوم الذي نزلت فيه الشمس برج الحمل ، وكذلك كان القمر في برج الحمل أيضا ، وهذا شئ يبعد وقوع مثله ، وبرز السلطان من دمشق يوم السبت مستهل محرم في جيشه ، فسار إلى رأس الماء فنزل ولده الأفضل هناك في طائفة من الجيش وتقدم السلطان ببقية الجيش إلى بصرى فخيم على قصر أبي سلام ، ينتظر قدوم الحجاج ، وفيهم أخته ست الشام وابنها حسام الدين محمد بن عمر بن لاشين ( 1 ) ، ليسلموا من معرة برنس الكرك ، فلما جاز الحجيج سالمين سار السلطان فنزل على الكرك وقطع ما حوله من الأشجار ، ورعى الزرع وأكلوا الثمار ، وجاءت العساكر المصرية وتوافت الجيوش المشرقية ، فنزلوا عند ابن السلطان على رأس الماء ، وبعث الأفضل سرية نحو بلاد الفرنج فقتلت وغنمت وسلمت ورجعت ، فبشر بمقدمات الفتح والنصر ، وجاء السلطان بجحافله فالتفت عليه جميع العساكر ، فرتب الجيوش وسار قاصدا بلا الساحل ، وكان جملة من معه من المقاتلة اثني عشر ألفا غير المتطوعة ، فتسامعت الفرنج بقدومه فاجتمعوا كلهم وتصالحوا فيما بينهم ، وصالح قومس طرابلس وبرنس الكرك الفاجر ، وجاؤوا بحدهم وحديدهم واستصحبوا معهم صليب الصلبوت يحمله منهم عباد الطاغوت ، وضلال الناسوت ، في خلق لا يعلم عدتهم إلا الله عز وجل ، يقال كانوا خمسين ألفا وقيل ثلاثا وستين ألفا ، وقد خوفهم صاحب طرابلس من المسلمين فاعترض عليه البرنس صاحب الكرك فقال له لا أشك أنك تحب المسلمين وتخوفنا كثرتهم ، وستري غب ما أقول لك ، فتقدموا نحو المسلمين وأقبل السلطان ففتح طبرية وتقوى بما فيها من الأطعمة والأمتعة وغير ذلك ، وتحصنت منه القلعة فلم يعبأ بها ، وحاز البحيرة في حوزته ومنع الله الكفرة أن يصلوا منها إلى قطرة ، حتى صاروا من عطش عظيم ، فبرز السلطان إلى سطح الجبل الغربي من طبرية عند قرية يقال لها حطين ، التي يقال إن فيها قبر شعيب عليه الصلاة والسلام ، وجاء العدو المخذول ، وكان فيهم صاحب عكا وكفرنكا وصاحب الناصرة وصاحب صور وغير ذلك من جميع ملوكهم ، فتواجه الفريقان وتقابل الجيشان ، وأسفر وجه الايمان واغبر وأقتم وأظلم وجه الكفر والطغيان ، ودارت دائرة السوء على عبدة الصلبان ، وذلك عشية يوم الجمعة ، فبات الناس على مصافهم وأصبح صباح يوم السبت الذي كان يوما عسيرا على أهل الأحد وذلك لخمس بقين من ربيع الآخر ، فطلعت الشمس على وجوه الفرنج واشتد الحر وقوي بهم العطش ، وكان تحت أقدام خيولهم حشيش قد صار هشيما ، وكان ذلك عليهم مشؤوما ، فأمر السلطان النفاطة أن يرموه بالنفط ، فرموه فتأجج نارا تحت سنابك خيولهم ، فاجتمع عليهم حر الشمس وحر العطش وحر النار وحر السلاح وحر رشق النبال ، وتبارز الشجعان ، ثم أمر السلطان بالتكبير والحملة الصادقة فحملوا وكان النصر من الله عز وجل ، فمنحهم الله أكتافهم فقتل منهم
هامش
( 1 ) في الكامل وابن خلدون : لاجين .