تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 347

مساهمون:

ص٣٤٧
الحسنات الكثيرة الماحية لذلك ما ليس عندك مما يكفر عنه سيئات ما ذكرت إن كنت صادقا ، على أني والله لا أصدقك ، وإن عدت ذكرته أو أحدا غيره عندي بسوء لأوذينك ، فكف عنه ولم يذكره بعد ذلك . وقد ابتنى بدمشق دارا لاستماع الحديث وإسماعه . قال ابن الأثير : وهو أول من بنى دار حديث ، وقد كان مهيبا وقورا شديد الهيبة في قلوب الامراء ، لا يتجاسر أحد أن يجلس بين يديه إلا بإذنه ، ولم يكن أحد من الامراء يجلس بلا إذن سوى الأمير نجم الدين أيوب ، وأما أسد الدين شيركوه ومجد الدين بن الداية نائب حلب ، وغيرهما من الأكابر فكانوا يقفون بين يديه ، ومع هذا كان إذا دخل أحد من الفقهاء أو الفقراء قام له ومشى خطوات وأجلسه معه على سجادته في وقار وسكون ، وإذا أعطى أحدا منهم شيئا مستكثرا يقول : هؤلاء جند الله وبدعائهم ننصر على الأعداء ، ولهم في بيت المال حق أضعاف ما أعطيهم ، فإذا رضوا منا ببعض حقهم فلهم المنة علينا . وقد سمع عليه جزء حديث وفيه " فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم متقلدا السيف " فجعل يتعجب من تغيير عادات الناس لما ثبت عنه عليه السلام ، وكيف يربط الأجناد والامراء على أوساطهم ولا يفعلون كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أمر الجند بأن لا يحملوا السيوف إلا متقلديها ، ثم خرج هو في اليوم الثاني إلى الموكب وهو متقلد السيف وجميع الجيش كذلك ، يريد بذلك الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فرحمه الله . وقص عليه وزيره موفق الدين خالد بن محمد بن نصر القيسراني الشاعر أنه رأى في منامه كأنه يغسل ثياب الملك نور الدين ، فأمره بأن يكتب مناشير بوضع المكوس والضرائب عن البلاد ، وقال له هذا تأويل رؤياك . وكتب إلى الناس ليكون منهم في حل مما كان أخذ منهم ، ويقول لهم إنما صرف ذلك في قتال أعدائكم من الكفرة والذب عن بلادكم ونسائكم وأولادكم . وكتب بذلك إلى سائر ممالكه وبلدان سلطانه ، وأمر الوعاظ أن يستحلوا له من التجار ، وكان يقول في سجوده : اللهم ارحم المكاس العشار الظالم محمود الكلب ، وقيل إن برهان الدين البلخي أنكر على الملك نور الدين في استعانته في حروب الكفار بأموال المكوس ، وقال له مرة : كيف تنصرون وفي عساكركم الخمور والطبول والزمور ؟ ويقال إن سبب وضعه المكوس عن البلاد أن الواعظ أبا عثمان المنتخب بن أبي محمد الواسطي - وكان من الصالحين الكبار ، وكان هذا الرجل ليس له شئ ولا يقبل من أحد شيئا ، إنما كانت له جبة يلبسها إذا خرج مجلس وعظه ، وكان يجتمع في مجلس وعظه الألوف من الناس - أنشد نور الدين أبياتا تتضمن ما هو متلبس به في ملكه ، وفيها تخويف وتحذير شديد له : مثل وقوفك أيها المغرور * يوم القيامة والسماء تمور إن قيل نور الدين رحت مسلما * فاحذر بأن تبقى وما لك نور أنهيت عن شرب الخمور وأنت في * كأس المظالم طائش مخمور عطلت كاسات المدام تعففا * وعليك كاسات الحرام تدور ماذا تقول إذا نقلت إلى البلى * فردا وجاءك منكر ونكير ؟