يطلبها ، وتطلب من يهرب منها ، وقد أنشد بعضهم في هذا المعنى :
مثل الرزق الذي تطلبه * مثل الظل يمشي معك
أنت لا تدركه مستعجلا * فإذا وليت عنه تبعك
وكان فقيها على مذهب أبي حنيفة ، وسمع الحديث وأسمعه ، وكان كثير الصلاة بالليل من
وقت السحر إلى أن يركب :
جمع الشجاعة والخشوع لديه ( 1 ) * ما أحسن الشجعان في المحراب
وكذلك كانت زوجته عصمت الدين خاتون بنت الأتابك معين الدين تكثر القيام في الليل
فنامت ذات ليلة عن وردها فأصبحت وهي غضبى ، فسألها نور الدين عن أمرها فذكرت نومها الذي
فوت عليها وردها ، فأمر نور الدين عند ذلك بضرب طبلخانة في القلعة وقت السحر لتوقظ النائم
ذلك الوقت لقيام الليل ، وأعطى الضارب على الطبلخانة أجرا جزيلا ، وجراية كثيرة .
فألبس الله هاتيك العظام وإن * بلين تحت الثرى عفوا وغفرانا
سقى ثرى أودعوه رحمة ملأت * مثوى قبورهم روحا وريحانا
وذكر ابن الأثير : أن الملك نور الدين بينما هو ذات يوم يلعب بالكرة إذ رأى رجلا يحدث آخر
ويومئ إلى نور الدين ، فبعث الحاجب ليسأله ما شأنه ، فإذا هو رجل معه رسول من جهة الحاكم ،
وهو يزعم أن له على نور الدين حقا يريد أن يحاكمه عند القاضي ، فلما رجع الحاجب إلى نور الدين
وأعلمه بذلك ألقى الجوكان من يده ، وأقبل مع خصمه ماشيا إلى القاضي الشهرزوري ، وأرسل نور
الدين إلى القاضي أن لا تعاملني إلا معاملة الخصوم ، فحين وصلا وقف نور الدين مع خصمه بين
يدي القاضي ، حتى انفصلت الخصومة والحكومة ، ولم يثبت للرجل على نور الدين حق ، بل ثبت
الحق للسلطان على الرجل ، فلما تبين ذلك قال السلطان إنما جئت معه لئلا يتخلف أحد عن الحضور
إلى الشرع إذا دعي إليه ، فإنما نحن معاشر الحكام أعلانا وأدنانا شجنكية لرسول الله صلى الله على وسلم ولشرعه
فنحن قائمون بين يديه طوع مراسيمه ، فما أمر به امتثلناه ، وما نهانا عنه اجتنبناه ، وأنا أعلم أنه لا
حق للرجل عندي ، ومع هذا أشهدكم أني قد ملكته ذلك الذي ادعى به ووهبته له . قال ابن
الأثير : وهو أول من ابتنى دارا للعدل ، وكان يجلس فيها في الأسبوع مرتين ، وقيل أربع مرات ،
وقيل خمس . ويحضر القاضي الفقهاء من سائر المذاهب ، ولا يحجبه يومئذ حاجب ولا غيره بل
يصل إليه القوي والضعيف ، فكان يكلم الناس ويستفهمهم ويخاطبهم بنفسه ، فيكشف المظالم ،
وينصف المظلوم من الظالم ، وكان سبب ذلك أن أسد الدين شيركوه بن شادي كان قد عظم شأنه عند
هامش
( 1 ) في الكامل 11 / 403 وتاريخ أبي الفداء 3 / 55 : لربه . . . ما أحسن المحراب .