تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 345

مساهمون:

ص٣٤٥
يطلبها ، وتطلب من يهرب منها ، وقد أنشد بعضهم في هذا المعنى : مثل الرزق الذي تطلبه * مثل الظل يمشي معك أنت لا تدركه مستعجلا * فإذا وليت عنه تبعك وكان فقيها على مذهب أبي حنيفة ، وسمع الحديث وأسمعه ، وكان كثير الصلاة بالليل من وقت السحر إلى أن يركب : جمع الشجاعة والخشوع لديه ( 1 ) * ما أحسن الشجعان في المحراب وكذلك كانت زوجته عصمت الدين خاتون بنت الأتابك معين الدين تكثر القيام في الليل فنامت ذات ليلة عن وردها فأصبحت وهي غضبى ، فسألها نور الدين عن أمرها فذكرت نومها الذي فوت عليها وردها ، فأمر نور الدين عند ذلك بضرب طبلخانة في القلعة وقت السحر لتوقظ النائم ذلك الوقت لقيام الليل ، وأعطى الضارب على الطبلخانة أجرا جزيلا ، وجراية كثيرة . فألبس الله هاتيك العظام وإن * بلين تحت الثرى عفوا وغفرانا سقى ثرى أودعوه رحمة ملأت * مثوى قبورهم روحا وريحانا وذكر ابن الأثير : أن الملك نور الدين بينما هو ذات يوم يلعب بالكرة إذ رأى رجلا يحدث آخر ويومئ إلى نور الدين ، فبعث الحاجب ليسأله ما شأنه ، فإذا هو رجل معه رسول من جهة الحاكم ، وهو يزعم أن له على نور الدين حقا يريد أن يحاكمه عند القاضي ، فلما رجع الحاجب إلى نور الدين وأعلمه بذلك ألقى الجوكان من يده ، وأقبل مع خصمه ماشيا إلى القاضي الشهرزوري ، وأرسل نور الدين إلى القاضي أن لا تعاملني إلا معاملة الخصوم ، فحين وصلا وقف نور الدين مع خصمه بين يدي القاضي ، حتى انفصلت الخصومة والحكومة ، ولم يثبت للرجل على نور الدين حق ، بل ثبت الحق للسلطان على الرجل ، فلما تبين ذلك قال السلطان إنما جئت معه لئلا يتخلف أحد عن الحضور إلى الشرع إذا دعي إليه ، فإنما نحن معاشر الحكام أعلانا وأدنانا شجنكية لرسول الله صلى الله على وسلم ولشرعه فنحن قائمون بين يديه طوع مراسيمه ، فما أمر به امتثلناه ، وما نهانا عنه اجتنبناه ، وأنا أعلم أنه لا حق للرجل عندي ، ومع هذا أشهدكم أني قد ملكته ذلك الذي ادعى به ووهبته له . قال ابن الأثير : وهو أول من ابتنى دارا للعدل ، وكان يجلس فيها في الأسبوع مرتين ، وقيل أربع مرات ، وقيل خمس . ويحضر القاضي الفقهاء من سائر المذاهب ، ولا يحجبه يومئذ حاجب ولا غيره بل يصل إليه القوي والضعيف ، فكان يكلم الناس ويستفهمهم ويخاطبهم بنفسه ، فيكشف المظالم ، وينصف المظلوم من الظالم ، وكان سبب ذلك أن أسد الدين شيركوه بن شادي كان قد عظم شأنه عند
هامش
( 1 ) في الكامل 11 / 403 وتاريخ أبي الفداء 3 / 55 : لربه . . . ما أحسن المحراب .
البداية والنهاية — صفحة 345 | ابن كثير / علي شيري