تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
ماذا تقول إذا وقفت بموقف * فردا ذليلا وا ؟ حساب عسير ؟ وتعلقت فيك الخصوم وأنت في * يوم الحساب مسلسل مجرور وتفرقت عنك الجنود وأنت في * ضيق القبور موسد مقبور ووددت أنك ما وليت ولاية * يوما ولا قال الأنام أمير وبقيت بعد العز رهن حفيرة * في عالم الموتى وأنت حقير وحشرت عريانا حزينا باكيا * قلقا وما لك في الأنام مجير أرضيت أن تحيا وقلبك دارس * عافى الخراب وجسمك المعمور أرضيت أن يحظى سواك بقربه * أبدا وأنت معذب مهجور مهد لنفسك حجة تنجو بها * يوم المعاد ويوم تبدو العور فلما سمع نور الدين هذه الأبيات بكى بكاء شديدا ، وأمر بوضع المكوس والضرائب في سائر البلاد . وكتب إليه الشيخ عمر الملا من الموصل - وكان قد أمر الولاة والامراء بها أن لا يفصلوا بها أمرا حتى يعلموا الملا به ، فما أمرهم به من شئ امتثلوه ، وكان من الصالحين الزاهدين ، وكان نور الدين يستقرض منه في كل رمضان ما يفطر عليه ، وكان يرسل إليه بفتيت ورقاق فيفطر عليه جميع رمضان - فكتب إليه الشيخ عمر بن الملا هذا : إن المفسدين قد كثروا ، ويحتاج إلى سياسة ومثل هذا الا يجئ إلا بقتل وصلب وضرب ، وإذا أخذ إنسان في البرية من يجئ يشهد له ؟ فكتب إليه الملك نور الدين على ظهر كتابه : إن الله خلق الخلق وشرع لهم شريعة وهو أعلم بما يصلحهم ، ولو علم أن في الشريعة زيادة في المصلحة لشرعها لنا ، فلا حاجة بنا إلى الزيادة على ما شرعه الله تعالى فمن زاد فقد زعم أن الشريعة ناقصه فهو يكملها بزيادته ، وهذا من الجرأة على الله وعلى ما شرعه ، والعقول المظلمة لا تهتدي ، والله سبحانه يهدينا وإياك إلى صراط مستقيم . فلما وصل الكتاب إلى الشيخ عمر الملا جمع الناس بالموصل وقرأ عليهم الكتاب وجعل يقول : انظروا إلى كتاب الزاهد إلى الملك ، وكتاب الملك إلى الزاهد . وجاء إليه أخو الشيخ أبي البيان يستعديه على رجل أنه سبه ورماه بأنه يرائي وأنه وأنه ، وجعل يبالغ في الشكاية عليه ، فقال له السلطان : أليس الله تعالى يقول : ( وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ) [ الفرقان : 63 ] وقال ( وأعرض عن الجاهلين ) [ الأعراف : 199 ] فسكت الشيخ ولم يحر جوابا . وقد كان نور الدين يعتقده ويعتقد أخاه أبا البيان ، وأتاه زائرا مرات ، ووقف عليه وقفا . وقال الفقيه أبو الفتح الأشري معيد النظامية ببغداد ، وكان قد جمع سيرة مختصرة لنور الدين ، قال : وكان نور الدين محافظا على الصلوات في أوقاتها في جماعة بتمام شروطها والقيام بها بأركانها والطمأنينة في ركوعها وسجودها ، وكان كثير الصلاة بالليل ، كثير الابتهال في الدعاء والتضرع إلى الله عز وجل في أموره كلها . قال : وبلغنا عن جماعة من الصوفية ممن يعتمد على قولهم أنهم دخلوا بلاد القدس
البداية والنهاية — صفحة 348 | ابن كثير / علي شيري