تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 344

مساهمون:

ص٣٤٤
عليها الرصافات ووسع الأسواق ، ووضع المكوس بدار الغنم والبطيخ والعرصد ، وغير ذلك ، وكان حنفي المذهب يحب العلماء والفقراء ويكرمهم ويحترمهم ، ويحسن إليهم ، وكان يقوم في أحكامه بالمعدلة الحسنة ، واتباع الشرع المطهر ، ويعقد مجالس العدل ويتولاها بنفسه ، ويجتمع إليه في ذلك القاضي والفقهاء والمفتيون من سائر المذاهب ، ويجلس في يوم الثلاثاء بالمسجد المعلق ، الذي بالكشك ، ليصل إليه كل واحد من المسلمين وأهل الذمة ، حتى يساويهم ، وأحاط السور على حارة اليهود ، وكان خرابا ، وأغلق باب كسان وفتح باب الفرج ، ولم يكن هناك قبله باب بالكلية ، وأظهر ببلاده السنة وأمات البدعة ، وأمر بالتأذين بحي على الصلاة حي على الفلاح ، ولم يكن يؤذن بهما في دولتي أبيه وجده ، وإنما كان يؤذن بحي على خير العمل لان شعار الرفض كان ظاهرا بها ، وأقام الحدود وفتح الحصون ، وكسر الفرنج مرارا عديدة ، واستنقذ من أيديهم معاقل كثيرة من الحصون المنيعة التي كانوا قد استحوذوا عليها من معاقل المسلمين ، كما تقدم بسط ذلك في السنين المتقدمة ، وأقطع العرب إقطاعات لئلا يتعرضوا للحجيج ، وبنى بدمشق مارستانا لم يبن في الشام قبله مثله ولا بعده أيضا ، ووقف وقفا على من يعلم الأيتام الخط والقراءة ، وجعل لهم نفقة وكسوة ، وعلى المجاورين بالحرمين وله أوقاف دارة على جميع أبواب الخير ، وعلى الأرامل والمحاويج ، وكان الجامع داثرا فولى نظره القاضي كمال الدين محمد بن عبد الله الشهزوري الموصلي ، الذي قدم به فولاه قضاء قضاة دمشق ، فأصلح أموره وفتح المشاهد الأربعة ، وقد كانت حواصل الجامع بها من حين احترقت في سنة إحدى وستين وأربعمائة ، وأضاف إلى أوقاف الجامع المعلومة الأوقاف التي لا يعرف واقفوها ، ولا يعرف شروطهم فيها ، وجعلها قلما واحدا ، وسمى مال المصالح ، ورتب عليه لذوي الحاجات والفقراء والمساكين والأرامل والأيتام وما أشبه ذلك . وقد كان رحمه الله حسن الخط كثير المطالعة للكتب الدينية ، متبعا للآثار النبوية ، محافظا على الصلوات في الجماعات ، كثير التلاوة محبا لفعل الخيرات ، عفيف البطن والفرج مقتصدا في الانفاق على نفسه وعياله في المطعم والملبس ، حتى قيل : إنه كان أدنى الفقراء في زمانه أعلا نفقة منه من غير اكتناز ولا استئثار بالدنيا ، ولم يسمع منه كلمة فحش قط ، في غضب ولا رضى ، صموتا وقورا . قال ابن الأثير : لم يكن بعد عمر بن عبد العزيز مثل الملك نور الدين ، ولا أكثر تحريا للعدل والانصاف منه ، وكانت له دكاكين بحمص قد اشتراها مما يخصه من المغانم ، فكان يقتات منها ، وزاد امرأته من كراها على نفقتها عليها ، واستفتى العلماء في مقدار ما يحل له من بيت المال فكان يتناوله ولا يزيد عليه شيئا ، ولو مات جوعا ، وكان يكثر اللعب بالكرة فعاتبه رجل من كبار الصالحين في ذلك فقال : إنما الأعمال بالنيات ، وإنما أريد بذلك تمرين الخيل على الكر والفر ، وتعليمها ذلك ، ونحن لا نترك الجهاد ، وكان لا يلبس الحرير ، وكان يأكل من كسب يده بسيفه ورمحه ، وركب يوما مع بعض أصحابه والشمس في ظهورهما والظل بين أيديهما لا يدركانه ثم رجعا فصار الظل وراءهما ثم ساق نور الدين فرسه سوقا عنيفا وظله يتبعه ، فقال لصاحبه : أتدري ما شبهت هذا الذي نحن فيه ؟ شبهته بالدنيا تهرب ممن