للزيارة أيام أخذ القدس الفرنج فسمعهم يقولون : إن القسيم ابن القسيم - يعنون نور الدين - له مع
الله سر ، فإنه لم يظفر وينصر علينا بكثرة جنده وجيشه ، وإنما يظفر علينا وينصر بالدعاء وصلاة
الليل ، فإنه يصلي بالليل ويرفع يده إلى الله ويدعو فإنه يستجيب له ويعطيه سؤله فيظفر علينا . قال :
فهذا كلام الكفار في حقه .
وحكى الشيخ أبو شامة أن نور الدين وقف بستان الميدان سوى الغيضة التي تليه نصفه على
تطييب جامع دمشق ، والنصف الآخر يقسم عشرة أجزاء جزآن على تطييب المدرسة التي أنشأها
للحنفية ، والثمانية أجزاء الأخرى على تطييب المساجد التسعة ، وهي مسجد الصالحين بجبل
قيسون وجامع القلعة ، ومسجد عطية ، ومسجد ابن لبيد بالعسقار ، ومسجد الرماحين المعلق ،
ومسجد العباس بالصالحية ، ومسجد دار البطيخ المعلق ، والمسجد الذي جدده نور الدين جوار بيعة
اليهود ، لكل من هذه المساجد جزء من إحدى عشر جزء من النصف . ومناقبه ومآثره كثيرة جدا .
وقد ذكرنا نبذة من ذلك يستدل بها على ما وراءها .
وقد ذكر الشيخ شهاب الدين في أول الروضتين كثيرا من محاسنه ، وذكر ما مدح به من
القصائد ، وذكر أنه لما فتح أسد الدين الديار المصرية ثم مات ، ثم تولى صلاح الدين هم بعزله عنها
واستنابة غيره فيها غير مرة ، ولكن يعوقه عن ذلك ويصده قتال الفرنج ، واقتراب أجله ، فلما كان في
هذه السنة - وهي سنة تسع وستين وخمسمائة - وهي آخر مدته ، أضمر على الدخول إلى الديار
المصرية وصمم عليه ، وأرسل إلى عساكر بلاد الموصل وغيرها ليكونوا ببلاد الشام حفظا لها من
الفرنج في غيبته ويركب هو في جمهور الجيش إلى مصر ، وقد خاف منه الملك صلاح الدين خوفا
شديدا ، فلما كان يوم عيد الفطر من هذه السنة ركب إلى الميدان الأخضر القبلي وصلى فيه صلاة عيد
الفطر ، وكان ذلك نهار الأحد ، ورمى القبق ( 1 ) في الميدان الأخضر الشمالي ، والقدر يقول له : هذا
آخر أعيادك ، ومد في ذلك اليوم سماطا حافلا ، وأمر بانتهابه ، وطهر ولده الملك الصالح إسماعيل
في هذا اليوم ، وزينت له البلد ، وضربت البشائر للعيد والختان ، ثم ركب في يوم الاثنين وأكب على
العادة ثم لعب بالكرة في ذلك اليوم ، فحصل له غيظ من بعض الامراء - ولم يكن ذلك من سجيته -
فبادر إلى القلعة وهو كذلك في غاية الغضب ، وانزعج ودخل في حيز سوء المزاج ، واشتغل بنفسه
وأوجاعه ، وتنكرت عليه جميع حواسه وطباعه ، واحتبس أسبوعا عن الناس ، والناس في شغل عنه
بما هم فيه من اللعب والانشراح في الزينة التي نصبوها لأجل طهور ولده ، فهذا يجود بروحه ، وهذا
هامش
( 1 ) من الروضتين 1 / 2 / 579 وفي الأصل : العتق . ولعبة القبق نوع من التدريب على الرماية ، وهي من ألعاب
الفروسية ، وطريقتها نصب صار طويل من الخشب في رأسه شكل قرعة ( وهو أصل معنى قبق ) بمثابة الهدف ويوضع به
حمام ، ثم يأتي اللاعبون على ظهور الخيل يرمون القبق ، القرعة ، بالنشاب وفائز من يطير الحمام وقد يستبدل بالقرعة
حلقة من الخشب ( المواعظ والاعتبار 2 / 111 ) .