تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 349

مساهمون:

ص٣٤٩
للزيارة أيام أخذ القدس الفرنج فسمعهم يقولون : إن القسيم ابن القسيم - يعنون نور الدين - له مع الله سر ، فإنه لم يظفر وينصر علينا بكثرة جنده وجيشه ، وإنما يظفر علينا وينصر بالدعاء وصلاة الليل ، فإنه يصلي بالليل ويرفع يده إلى الله ويدعو فإنه يستجيب له ويعطيه سؤله فيظفر علينا . قال : فهذا كلام الكفار في حقه . وحكى الشيخ أبو شامة أن نور الدين وقف بستان الميدان سوى الغيضة التي تليه نصفه على تطييب جامع دمشق ، والنصف الآخر يقسم عشرة أجزاء جزآن على تطييب المدرسة التي أنشأها للحنفية ، والثمانية أجزاء الأخرى على تطييب المساجد التسعة ، وهي مسجد الصالحين بجبل قيسون وجامع القلعة ، ومسجد عطية ، ومسجد ابن لبيد بالعسقار ، ومسجد الرماحين المعلق ، ومسجد العباس بالصالحية ، ومسجد دار البطيخ المعلق ، والمسجد الذي جدده نور الدين جوار بيعة اليهود ، لكل من هذه المساجد جزء من إحدى عشر جزء من النصف . ومناقبه ومآثره كثيرة جدا . وقد ذكرنا نبذة من ذلك يستدل بها على ما وراءها . وقد ذكر الشيخ شهاب الدين في أول الروضتين كثيرا من محاسنه ، وذكر ما مدح به من القصائد ، وذكر أنه لما فتح أسد الدين الديار المصرية ثم مات ، ثم تولى صلاح الدين هم بعزله عنها واستنابة غيره فيها غير مرة ، ولكن يعوقه عن ذلك ويصده قتال الفرنج ، واقتراب أجله ، فلما كان في هذه السنة - وهي سنة تسع وستين وخمسمائة - وهي آخر مدته ، أضمر على الدخول إلى الديار المصرية وصمم عليه ، وأرسل إلى عساكر بلاد الموصل وغيرها ليكونوا ببلاد الشام حفظا لها من الفرنج في غيبته ويركب هو في جمهور الجيش إلى مصر ، وقد خاف منه الملك صلاح الدين خوفا شديدا ، فلما كان يوم عيد الفطر من هذه السنة ركب إلى الميدان الأخضر القبلي وصلى فيه صلاة عيد الفطر ، وكان ذلك نهار الأحد ، ورمى القبق ( 1 ) في الميدان الأخضر الشمالي ، والقدر يقول له : هذا آخر أعيادك ، ومد في ذلك اليوم سماطا حافلا ، وأمر بانتهابه ، وطهر ولده الملك الصالح إسماعيل في هذا اليوم ، وزينت له البلد ، وضربت البشائر للعيد والختان ، ثم ركب في يوم الاثنين وأكب على العادة ثم لعب بالكرة في ذلك اليوم ، فحصل له غيظ من بعض الامراء - ولم يكن ذلك من سجيته - فبادر إلى القلعة وهو كذلك في غاية الغضب ، وانزعج ودخل في حيز سوء المزاج ، واشتغل بنفسه وأوجاعه ، وتنكرت عليه جميع حواسه وطباعه ، واحتبس أسبوعا عن الناس ، والناس في شغل عنه بما هم فيه من اللعب والانشراح في الزينة التي نصبوها لأجل طهور ولده ، فهذا يجود بروحه ، وهذا
هامش
( 1 ) من الروضتين 1 / 2 / 579 وفي الأصل : العتق . ولعبة القبق نوع من التدريب على الرماية ، وهي من ألعاب الفروسية ، وطريقتها نصب صار طويل من الخشب في رأسه شكل قرعة ( وهو أصل معنى قبق ) بمثابة الهدف ويوضع به حمام ، ثم يأتي اللاعبون على ظهور الخيل يرمون القبق ، القرعة ، بالنشاب وفائز من يطير الحمام وقد يستبدل بالقرعة حلقة من الخشب ( المواعظ والاعتبار 2 / 111 ) .
البداية والنهاية — صفحة 349 | ابن كثير / علي شيري