تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 337

مساهمون:

ص٣٣٧
وما ادعاه ليس بصحيح ، ولا أصل له يعتمد عليه ، ولا مستند يستند إليه ، والمقصود أن الأمير نجم الدين كان أسن من أخيه أسد الدين شيركوه ، ولد بأرض الموصل ، كان الأمير نجم الدين شجاعا ، خدم الملك محمد بن ملكشاه فرأى فيه شهامة وأمانة ، فولاه قلعة تكريت ، فحكم فيها فعدل ، وكان من أكرم الناس ، ثم أقطعها الملك مسعود لمجاهد الدين نهروز ( 3 ) شحنة العراق ، فاستمر فيها ، فاجتاز به في بعض الأحيان الملك عماد الدين زنكي منهزما من قراجا الساقي فآواه وخدمه خدمة بالغة تامة ، وداوى جراحاته وأقام عنده مدة خمسة عشر يوما ، ثم ارتحل إلى بلده الموصل ، ثم اتفق أن نجم الدين أيوب عاقب رجلا نصرانيا فقتله ، وقيل إنما قتله أخوه أسد الدين شيركوه ، وهذا بخلاف الذي ذكره ابن خلكان ، فإنه قال : رجعت جارية من بعض الخدم فذكرت له أنه تعرض لها اسفهسلار الذي بباب القلعة ، فخرج إليه أسد الدين فطعنه بحربة فقتله ، فحبسه أخوه نجم الدين وكتب إلى مجاهد الدين نهروز ( 1 ) يخبره بصورة الحال ، فكتب إليه يقول : إن أباكما كانت له علي خدمة ، وكان قد استنابه في هذه القلعة قبل ابنه نجم الدين أيوب ، وإني أكره أن أسوءكما ، ولكن انتقلا منها . فأخرجهما نهروز من قلعته ، وفي ليلة خروجه منها ولد له الملك الناصر صلاح الدين يوسف . قال فتشاءمت به لفقدي بلدي ووطني ، فقال له بعض الناس : قد نرى ما أنت فيه من التشاؤم بهذا المولود فما يؤمنك أن يكون هذا المولود ملكا عظيما له صيت ؟ فكان كما قال ، فاتصلا بخدمة الملك عماد الدين زنكي أبي نور الدين ، ثم كانا عند نور الدين متقدمان عنده ، وارتفعت منزلتهما وعظما ، فاستناب نور الدين نجم الدين أيوب على بعلبك ، وكان أسد الدين من أكبر أمرائه ، ولما تسلم بعلبك أقام مدة طويلة ، وولد له فيها أكثر أولاده ، ثم كان من أمره ما ذكرناه في دخوله الديار المصرية . ثم إنه في ذي الحجة سقط عن فرسه فمات بعد ثمانية أيام في اليوم السابع والعشرين من ذي الحجة من هذه السنة ، وكان ابنه صلاح الدين محاصر الكرك غائبا عنه ، فلما بلغه خبر موته تألم لغيبته عن حضوره ، وأرسل يتحرق ويتحزن ، وأنشد : وتخطفه يد الردى في غيبتي * هبني حضرت ، فكنت ماذا أصنع ؟ وقد كان نجم الدين أيوب كثير الصلاة والصدقة والصيام ، كريم النفس جوادا ممدحا قال ابن خلكان : وله خانقاه بالديار المصرية ، ومسجد وقناة خارج باب النصر من القاهرة ، وقفها في سنة ست وستين . قلت : وله بدمشق خانقاه أيضا ، تعرف بالنجمية ، وقد استنابه ابنه على الديار المصرية حين خرج إلى الكرك ، وحكمه في الخزائن ، وكان من أكرم الناس ، وقد امتدحه الشعراء كالعماد وغيره ورثوه بمراث كثيرة ، وقد ذكر ذلك مستقصى الشيخ أبو شامة في الروضتين ، ودفن مع أخيه أسد الدين بدار الامارة ، ثم نقلا إلى المدينة النبوية في سنة ثمانين ، فدفنا بتربة الوزير
هامش
( 1 ) في الكامل والروضتين : بهروز .
البداية والنهاية — صفحة 337 | ابن كثير / علي شيري