والشيخ أبو بكر يحيى بن سعدون القرطبي ، نزل الموصل المقري النحوي ، قال : وفيها ولد
لعزيز والظاهر ابنا صلاح الدين ، والمنصور محمد بن تقي الدين عمر .
ثم دخلت سنة ثمان وستين وخمسمائة
فيها أرسل نور الدين إلى صلاح الدين - وكان الرسول الموفق خالد بن القيسراني - ليقيم
حساب الديار المصرية ، وذلك لان نور الدين استقل الهدية التي أرسل بها إليه من خزائن العاضد ،
ومقصوده أن يقرر على الديار المصرية خراجا منها في كل عام . وفيها حاصر صلاح الدين الكرك
والشوبك فضيق على أهلها ، وخرب أماكن كثيرة من معاملاتها ، ولكن لم يظفر بها عامه ذلك . وفيها
اجتمعت الفرنج بالشام لقصد زرع ( 1 ) ، فوصلوا إلى سمسكين فبرز إليهم نور الدين فهربوا منه إلى
الغور ، ثم إلى السواد ، ثم إلى الشلالة ، فبعث سرية إلى طبرية فعاثوا هنالك وسبوا وقتلوا وغنموا
وعادوا سالمين ، ورجع الفرنج خائبين . وفيها أرسل السلطان صلاح الدين أخاه شمس الدولة
نورشاه إلى بلاد النوبة فافتتحها ، واستحوذ على معقلها وهو حصن يقال له إبريم ، ولما رآها بلدة قليلة
الجدوى لا يفي خراجها بكلفتها ، استخلف على الحصن المذكور رجلا من الأكراد يقال له إبراهيم ،
فجعله مقدما مقررا بحصن إبريم ، وانضاف إليه جماعة من الأكراد البطالين ، فكثرت أموالهم
وحسنت أحوالهم هنالك وشنوا الغارات وحصلوا على الغنائم .
وفيها كانت وفاة الأمير نجم الدين أيوب بن شادي والد صلاح الدين ، سقط عن فرسه فمات
وسنأتي على ترجمته في الوفيات . وفيها سار الملك نور الدين إلى بلاد عز الدين قلج أرسلان بن
مسعود بن قلج أرسلان بن سليمان السلجوقي ، وأصلح ما وجده فيها من الخلل . ثم سار فافتتح
مرعش وبهسا ( 2 ) ، وعمل في كل منهما بالحسنى . قال العماد : وفيها وصل الفقيه الإمام الكبير قطب
الدين النيسابوري ، وهو فقيه عصره ونسيج وحده ، فسر به نور الدين وأنزله بحلب بمدرسة باب
العراق ، ثم أتى به إلى دمشق فدرس بزاوية جامع الغربية المعروفة بالشيخ نصر المقدسي ، ثم نزل
بمدرسة الجاروق ( 3 ) ، ثم شرع نور الدين بإنشاء مدرسة كبيرة للشافعية ، فأدركه الاجل قبل ذلك .
قال أبو شامة : وهي العادلية الكبيرة التي عمرها بعد ذلك الملك العادل أبو بكر بن أيوب . وفيها
رجع شهاب الدين بن أبي عصرون من بغداد وقد أدى الرسالة بالخطبة العباسية بالديار المصرية ،
هامش
( 1 ) كذا بالأصل ، وفي تاريخ ابن الأثير 11 / 385 : . . . وساروا إلى بلد حوران من أعمال دمشق للغارة عليه .
( 2 ) كذا بالأصل : بهسنا . وفي ابن الأثير وتاريخ أبي الفداء : بهنسى . قال ياقوت : وبهسنا بالألف ، قلعة قرب
سميساط ومرعش ، وكانت من أعمال حلب .
( 3 ) من الروضتين ، وفي الأصل الحاروق ، وهي المدرسة الجازوخية وكانت داخل بابي الفرج والفراديس شمالي الجامع
الأموي بناها سيف الدين جاروخ التركماني ( الدارس في المدارس 1 / 225 ) .