من قطع البلخش والياقوت والذهب والفضة والأثاث والأمتعة وغير ذلك ، ثم باع ما فضل عن ذلك
وجمع عليه أعيان التجار ، فاستمر البيع فيما بقي هنالك من الأثاث والأمتعة نحوا من عشر سنين ،
وأرسل إلى الخليفة ببغداد من ذلك هدايا سنية نفيسة ، وكذلك إلى الملك نور الدين ، أرسل إليه من
ذلك جانبا كثيرا صالحا ، ولم يدخر لنفسه شيئا مما حصل له من الأموال ، بل كان يعطي ذلك من
حوله من الامراء وغيرهم ، فكان مما أرسله إلى نور الدين ثلاث قطع بلخش زنة الواحدة إحدى
وثلاثون مثقالا ، والأخرى ثمانية عشر مثقالا ، والثالثة عشرة مثاقيل ، وقيل أكثر مع لآلئ كثيرة ،
وستون ألف دينار ، وعطر لم يسمع بمثله ، ومن ذلك حمارة وفيل عظيم جدا ، فأرسلت الحمارة إلى
الخليفة في جملة هدايا . قال ابن أبي طي : ووجد خزانة كتب ليس لها في مدائن الاسلام نظير ،
تشتمل على ألفي ألف مجلد ( 1 ) ، قال ومن عجائب ذلك أنه كان بها ألف ومائتان وعشرون نسخة من
تاريخ الطبري ، وكذا قال العماد الكاتب : كانت الكتب قريبة من مائة وعشرين ألف مجلد . وقال
ابن الأثير : كان فيها من الكتب بالخطوط المنسوبة مائة ألف مجلد ، وقد تسلمها القاضي الفاضل ،
فأخذ منها شيئا كثيرا مما اختاره وانتخبه ، قال وقسم القصر الشمالي بين الامراء فسكنوه ، وأسكن أباه
نجم الدين أيوب في قصر عظيم على الخليج ، يقال له اللؤلؤة ( 2 ) ، الذي فيه بستان الكافوري
وأسكن أكثر الامراء في دور من كان ينتمي إلى الفاطميين ، ولا يلقى أحد من الأتراك أحدا من أولئك
الذين كانوا بها من الأكابر إلا شلحوه ثيابه ونهبوا داره ، حتى تمزق كثير منهم في البلاد ، وتفرقوا شذر
مذر وصاروا أيدي سبأ .
وقد كانت مدة ملك الفاطميين مائتين وثمانين سنة وكسرا ( 3 ) ، فصاروا كأمس الذاهب كأن لم
يغنوا فيها . وكان أول من ملك منهم المهدي ، وكان من سلمية حدادا اسمه عبيد ، وكان يهوديا ،
فدخل بلاد المغرب وتسمى بعبيد الله ، وادعى أنه شريف علوي فاطمي ، وقال عن نفسه إنه المهدي
كما ذكر ذلك غير واحد من العلماء والأئمة بعد الأربعمائة كما قد بسطنا ذلك فيما تقدم ، والمقصود أن
هذا الدعي الكذاب راج له ما افتراه في تلك البلاد ، ووازره جماعة من الجهلة ، وصارت له دولة
وصولة ، ثم تمكن إلى أن بنى مدينة سماها المهدية نسبة إليه ، وصار ملكا مطاعا ، يظهر الرفض
وينطوي على الكفر المحض . ثم كان من بعده ابنه القائم محمد ، ثم ابنه المنصور إسماعيل ، ثم ابنه
المعز معد ، وهو أول من دخل ديار مصر منهم ، وبنيت له القاهرة المعزية والقصران ، ثم ابنه العزيز
نزار ، ثم ابنه الحاكم منصور ، ثم ابنه الظاهر علي ، ثم ابنه المستنصر معد ، ثم ابنه المستعلي أحمد ،
هامش
( 1 ) في الروضتين 1 / 2 / 507 : ألفي ألف وستمائة ألف كتاب .
( 2 ) اللؤلؤة أو قصر اللؤلؤة من قصور الفاطميين يطل من شرقيه على البستان الكافوري الذي أنشأه محمد بن طغج
الاخشيد واهتم به من بعده ولداه ثم عبده كافور .
( 3 ) في الكامل 11 / 370 : مائتان واثنتان وسبعون سنة وشهر تقريبا .