تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧
منشورا بذلك ، ووقف على الجامع قرية من قرى الموصل ، وذلك كله بإشارة الشيخ الصالح العابد ؟ عمر الملا ، وقد كانت له زاوية يقصد فيها ، وله في كل سنة دعوة في شهر المولد ، يحضر فيها عنده الملوك والامراء والعلماء والوزراء ويحتفل بذلك ، وقد كان الملك نور الدين صاحبه ، وكان يستشيره في أموره ، وممن يعتمده في مهماته وهو الذي أشار عليه في مدة مقامه في الموصل بجميع ما فعله من الخيرات ، فلهذا حصل بقدومه لأهل الموصل كل مسرة ، واندفعت عنهم كل مضرة ، وأخرج من بين أظهرهم الظالم الغاشم فخر الدين عبد المسيح ، وسماه عبد الله ، وأخذه معه إلى دمشق فأقطعه إقطاعا حسنا ، وقد كان عبد المسيح هذا نصرانيا فأظهر الاسلام ، وكان يقال إن له كنيسة في جوف داره ، وكان سئ السيرة خبيث السريرة في حق العلماء والمسلمين خاصة ، ولما دخل نور الدين الموصل كان الذي استأمن له نور الدين الشيخ عمر الملا ، وحين دخل نور الدين الموصل خرج إليه ابن أخيه فوقف بين يديه فأحسن إليه وأكرمه ، وألبسه خلعة جاءته من الخليفة فدخل فيها إلى البلد في أبهة عظيمة ، ولم يدخل نور الدين الموصل حتى قوي الشتاء فأقام بها كما ذكرنا ، فلما كان في آخر ليلة من إقامته بها رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له : طابت لك بلدك وتركت الجهاد وقتال أعداء الله ؟ فنهض من فوره إلى السفر ، وما أصبح إلا سائرا إلى الشام ، واستقضى الشيخ ابن أبي عصرون ، وكان معه على سنجار ونصيبين والخابور ، فاستناب فيها ابن أبي عصرون نوابا وأصحابا . وفيها عزل صلاح الدين قضاة مصر لأنهم كانوا شيعة ، وولى قضاء القضاة بها لصدر الدين عبد الملك بن درباس المارداني الشافعي ، فاستناب في سائر المعاملات قضاة شافعية ، وبنى مدرسة للشافعية ، وأخرى للمالكية ( 1 ) ، واشترى ابن أخيه تقي الدين عمر دارا تعرف بمنازل العز ، وجعلها مدرسة للشافعية ووقف عليها الروضة وغيرها . وعمر صلاح الدين أسوار البلد ، وكذلك أسوار إسكندرية ، وأحسن إلى الرعايا إحسانا كثيرا ، وركب فأغار على بلاد الفرنج بنواحي عسقلان وغزة وضرب قلعة كانت لهم على أيلة ، وقتل خلقا كثيرا من مقاتلتهم ، وتلقى أهله وهم قادمون من الشام ، واجتمع شمله بهم بعد فرقة طويلة . وفيها قطع صلاح الدين الاذان بحي على خير العمل من ديار مصر كلها ، وشرع في تمهيد الخطبة لبني العباس على المنابر . وممن توفي فيها من الأعيان .
هامش
( 1 ) المدرسة الشافعية أقيمت في دار المعونة وكانت حبسا للشحنة ، كانت دارا للشرطة ، ثم حولت في عهد العزيز بالله الفاطمي إلى سجن عرف بسجن المعونة ثم حولها صلاح الدين إلى مدرسة للشافعية . والمدرسة المالكية ، في دار الغزل وكانت قبل ذلك قيسارية يباع فيها الغزل ; وعرفت كذلك باسم المدرسة القمحية لان القمح كان يوزع على فقهائها من ضيعة بالفيوم أوقفها صلاح الدين عليها ( مفرج الكروب 1 / 197 - 198 ) .
البداية والنهاية — صفحة 327 | ابن كثير / علي شيري