تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 324

مساهمون:

ص٣٢٤
رجالهم ، وسبى كثيرا من نسائهم وأطفالهم وغنم من أموالهم ، فجزاه الله عن المسلمين خيرا . ثم سار نور الدين في جمادى الآخرة إلى الكرخ ( 1 ) ليحاصرها - وكانت من أمنع البلاد - وكاد أن يفتحها ولكن بلغه أن مقدمين ( 2 ) من الفرنج قد أقبلا نحو دمشق ، فخاف أن يلتف عليهما الفرنج فترك الحصار وأقبل نحو دمشق فحصنها ، ولما انجلت الفرنج عن دمياط فرح نور الدين فرحا شديدا ، وأنشد الشعراء كل منهم في ذلك قصيدا ، وقد كان الملك نور الدين شديد الاهتمام قوي الاغتمام بذلك ، حتى قرأ عليه بعض طلبة الحديث جزءا في ذلك فيه حديث مسلسل بالتبسم ، فطلب منه أن يتبسم ليصل التسلسل ، فامتنع من ذلك ، وقال : إني لأستحي من الله أن يراني متبسما والمسلمون يحاصرهم الفرنج بثغر دمياط . وقد ذكر الشيخ أبو شامة أن إمام مسجد أبي الدرداء بالقلعة المنصورة رأى في تلك الليلة التي أجلي فيها الفرنج عن دمياط رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول : سلم على نور الدين وبشره بأن الفرنج قد رحلوا عن دمياط ، فقلت : يا رسول الله بأي علامة ؟ فقال : بعلامة ما سجد يوم تل حارم وقال في سجوده : اللهم انصر دينك ومن هو محمود الكلب ؟ . فلما صلى نور الدين عنده الصبح بشره بذلك وأخبره بالعلامة ، فلما جاء إلى عند ذكر " من هو محمود الكلب " انقبض من قول ذلك ، فقال له نور الدين : قل ما أمرك به رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال ذلك : فقال : صدقت ، وبكى نور الدين تصديقا وفرحا بذلك ، ثم كشفوا فإذا الامر كما أخبر في المنام . قال العماد الكاتب : وفي هذه السنة عمر الملك نور الدين جامع داريا ، وعمر مشهد أبي سليمان الداراني بها ، وشتى بدمشق . وفيها حاصر الكرك أربعة أيام ، وفارقه من هناك نجم الدين أيوب والد صلاح الدين ، متوجها إلى ابنه بمصر ، وقد وصاه نور الدين أن يأمر ابنه صلاح الدين أن يخطب بمصر للخليفة المستنجد بالله العباسي ، وذلك أن الخليفة بعث يعاتبه في ذلك . وفيها قدم الفرنج من السواحل ليمنعوا الكرك من ثبيب بن الرقيق وابن القنقري ( 3 ) ، وكانا أشجع فرسان الفرنج ، فقصدهما نور الدين ليقابلهما فحادا عن طريقه . وفيها كانت زلزلة عظيمة بالشام والجزيرة وعمت أكثر الأرض ، وتهدمت أسوار كثيرة بالشام ، وسقطت دور كثيرة على أهلها ، ولا سيما بدمشق وحمص وحماه وحلب وبعلبك ، سقطت أسوارها وأكثر قلعتها ، فجدد نور الدين عمارة أكثر ما وقع بهذه الأماكن . وفيها توفي :
هامش
( 1 ) في الكامل 11 / 352 : الكرك . ( 2 ) وهما : ابن هنفري وقريب بن الرقيق . وفي الروضتين 1 / 2 / 465 : فيليب بن الرفيق . ( 3 ) انظر الحاشية السابقة .