من عساكر نور الدين ، وطمعا في العودة إليها مرة ثانية ، ( ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين )
[ آل عمران : 54 ] . ثم شرع الوزير شاور في مطالبة الناس بالذهب الذي صالح به الفرنج
وتحصيله ، وضيق على الناس مع ما نالهم من الضيق والحريق والخوف ، فجبر الله مصابهم بقدوم
عساكر المسلمين عليهم وهلاك الوزير على يديهم ، وذلك أن نور الدين استدعى الأمير أسد الدين من
حمص إلى حلب فساق إليه هذه المسافة وقطعها في يوم واحد ، فإنه قام من حمص بعد أن صلى الصبح
ثم دخل منزله فأصاب فيه شيئا من الزاد ، ثم ركب وقت طلوع الشمس فدخل حلب على السلطان
نور الدين من آخر ذلك اليوم ، ويقال إنه هذا لم يتفق لغيره إلا للصحابة ، فسر بذلك نور الدين
فقدمه على العساكر وأنعم عليه بمائتي ألف دينار وأضاف إليه من الامراء الأعيان ، كل منهم يبتغي
بمسيره رضى الله والجهاد في سبيله ، وكان من جملة الامراء ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب ،
ولم يكن منشرحا لخروجه هذا بل كان كارها له ، وقد قال الله تعالى ( قل اللهم مالك الملك ) الآية
[ آل عمران : 26 ] ، وأضاف إليه ستة آلاف من التركمان ، وجعل أسد الدين مقدما على هذه
العساكر كلها ، فسار بهم من حلب إلى دمشق ونور الدين معهم ، فجهزه من دمشق إلى الديار
المصرية ، وأقام نور الدين بدمشق ، ولما وصلت الجيوش النورية إلى الديار المصرية وجدوا الفرنج قد
انشمروا عن القاهرة راجعين إلى بلادهم بالصفقة الخاسرة ، وكان وصوله إليها في سابع ربيع
الآخر ( 1 ) ، فدخل الأمير أسد الدين على العاضد في ذلك اليوم فخلع عليه خلعة سنية فلبسها وعاد إلى
مخيمه بظاهر البلد ، وفرح المسلمون بقدومه ، وأجريت عليهم الجرايات ، وحملت إليهم التحف
والكرامات ، وخرج وجوه الناس إلى المخيم خدمة لأسد الدين ، وكان فيمن جاء إليه المخيم الخليفة
العاضد متنكرا ، فأسر إليه أمورا مهمة منها قتل الوزير شاور ، وقرر ذلك معه وأعظم أمر الأمير أسد
الدين ولكن شرع يماطل بما كان التزمه للملك نور الدين ، وهو مع ذلك يتردد إلى أسد الدين ،
ويركب معه ، وعزم على عمل ضيافة له فنهاه أصحابه عن الحضور خوفا عليه من غائلته ، وشاوروه
في قتل شاور فلم يمكنهم الأمير أسد الدين من ذلك ، فلما كان في بعض الأيام جاء شاور إلى منزل أسد
الدين فوجده قد ذهب لزيارة قبر الشافعي ، وإذا ابن أخيه يوسف هنالك فأمر صلاح الدين يوسف
بالقبض على الوزير شاور ، ولم يمكنه قتله إلا بعد مشاورة عمه أسد الدين وانهزم أصحابه فأعلموا
العاضد لعله يبعث ينقذه ، فأرسل العاضد إلى الأمير أسد الدين يطلب منه رأسه ، فقتل شاور
وأرسلوا برأسه إلى العاضد في سابع عشر ربيع الآخر ، ففرح المسلمون بذلك وأمر أسد الدين بنهب
دار شاور ، فنهبت ، ودخل أسد الدين على العاضد فاستوزره وخلع عليه خلعة عظيمة ، ولقبه الملك
المنصور ، فسكن دار شاور وعظم شأنه هنالك ، ولما بلغ نور الدين خبر فتح مصر فرح بذلك
وقصدته الشعراء بالتهنئة ، غير أنه لم ينشرح لكون أسد الدين صار وزيرا للعاضد ، وكذلك لما انتهت
هامش
( 1 ) في الكامل 11 / 339 جمادى الآخرة . وفي تاريخ أبي الفداء 3 / 45 : رابع ربيع الآخر .