تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
الصفين سوى خمسة أنفس ، ثم حمل الخليفة على جيش مسعود فهزمهم ، ثم تراجعوا فحملوا على جيش الخليفة فهزموهم وقتلوا منهم خلقا كثيرا وأسروا الخليفة ، ثم نهبت أموالهم وحواصلهم ، من جملة ذلك أربعة آلاف ألف دينار ، وغير ذلك من الأثاث والخلع والآنية والقماش ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . وطار الخبر في الأقاليم بذلك ، وحين بلغ الخبر إلى بغداد انزعج الناس لذلك ، وزلزلوا زلزالا شديدا ، صورة ومعنى ، وجاءت العامة إلى المنابر فكسروها وامتنعوا من حضور الجماعات ، وخرج النساء في البلد حاسرات ينحن على الخليفة ، وما جرى عليه من الأسر ، وتأسى بأهل بغداد في ذلك خلق كثير من أهل البلاد ، وتمت فتنة كبيرة وانتشرت في الأقاليم ، واستمر الحال على ذلك شهر ذي القعدة والشناعة في الأقاليم منتشرة ، فكتب الملك سنجر إلى ابن أخيه يحذره غب ذلك عاقبة ما وقع فيه من الامر العظيم ، ويأمره أن يعيد الخليفة إلى مكانه ودار خلافته ، فامتثل الملك مسعود ذلك وضرب للخليفة سرادق عظيم ، ونصب له فيه قبة عظيمة وتحتها سرير هائل ، وألبس السواد على عادته وأركبه بعض ما كان يركبه من مراكبه ، وأمسك لجام الفرس ومشى في خدمته ، والجيش كلهم مشاة حتى أجلس الخليفة على سريره ، ووقف الملك مسعود فقبل الأرض بين يديه وخلع الخليفة عليه ، وجئ بدبيس مكتوفا وعن يمينه أميران ، وعن يساره أميران ، وسيف مسلول ونسعة بيضاء ، فطرح بين يدي الخليفة ماذا يرسم تطبيبا لقلبه ، فأقبل السلطان فشفع في دبيس وهو ملقى يقول العفو يا أمير المؤمنين ، أنا أخطأت والعفو عند المقدرة . فأمر الخليفة بإطلاقه وهو يقول : لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم . فنهض قائما والتمس أن يقبل يد الخليفة فأذن له فقبلها ، وأمرها على وجهه وصدره . وسأل العفو عنه وعما كان منه ، واستقر الامر على ذلك ، وطار هذا الخبر في الآفاق وفرح الناس بذلك ، فلما كان مستهل ذي الحجة جاءت الرسل من جهة الملك سنجر إلى ابن أخيه يستحثه على الاحسان إلى الخليفة ، وأن يبادر إلى سرعة رده إلى وطنه ، وأرسل مع الرسل جيشا ليكونوا في خدمة الخليفة إلى بغداد ، فصحب الجيش عشرة ( 1 ) من الباطنية ، فلما وصل الجيش حملوا على الخليفة فقتلوه في خيمته وقطعوه قطعا ، ولم يلحق الناس منه إلا الرسوم ، وقتلوا معه أصحابه منهم عبيد الله بن سكينة ، ثم أخذ أولئك الباطنية فأحرقوا قبحهم الله ، وقيل إنهم كانوا مجهزين لقتله فالله أعلم . وطار هذا الخبر في الآفاق فاشتد حزن الناس على الخليفة المسترشد ، وخرجت النساء في بغداد حاسرات عن وجوههن ينحن في الطرقات ، قتل على باب مراغة في يوم الخميس ( 2 ) سابع عشر ذي الحجة ( 3 ) وحملت أعضاؤه إلى بغداد ، وعمل عزاؤه ثلاثة أيام بعد ما بويع لولده الراشد ، وقد
هامش
( 1 ) في الكامل 11 / 27 : أربعة وعشرون رجلا . وفي ابن خلدون 3 / 510 : عشرون رجلا أو يريدون . وفي الفخري ص 303 : جماعة من الباطنية . ( 2 ) في تاريخ أبي الفداء 3 / 10 : يوم الأحد . وفي الجوهر الثمين 1 / 202 : يوم الخميس سادس عشر ذي القعدة . ( 3 ) في الكامل وتاريخ أبي الفداء وابن خلدون : ذي القعدة .