فغلب عليه ما سماه به أبوه ، وما كناه به ، سمع الحديث على مشايخ كثيرة ، وهو آخر من حدث عن
أبي الحسن بن الصلت ، هلك في حريق سوق الريحانيين ، وله ثمانون سنة ، كان ثقة عند
المحدثين .
السلطان ملكشاه
جلال الدين والدولة ، أبو الفتح ملكشاه ، ابن أبي شجاع ألب أرسلان بن داود بن
ميكائيل بن سلجوق تقاق التركي ، ملك بعد أبيه وامتدت مملكته من أقصى بلاد الترك إلى أقصى بلاد
اليمن ، وراسله الملوك من سائر الأقاليم ، حتى ملك الروم والخزر واللان ، وكانت دولته صارمة ،
والطرقات في أيامه آمنة ، وكان مع عظمته يقف للمسكين والضعيف ، والمرأة فيقضي حوائجهم ،
وقد عمر العمارات الهائلة ، وبنى القناطر ، وأسقط المكوس والضرائب ، وحفر الأنهار الكبار ، وبنى
مدرسة أبي حنيفة والسوق ، وبنى الجامع الذي يقال له جامع السلطان ببغداد ، وبنى منارة القرون من
صيوده بالكوفة ، ومثلها فيما وراء النهر ، وضبط ما صاده بنفسه في صيوده فكان ذلك نحوا من عشرة
آلاف صيد ، فتصدق بعشرة آلاف درهم ، وقال : إني خائف من الله تعالى أن أكون أزهقت نفس
حيوان لغير مأكلة ، وقد كانت له أفعال حسنة ، وسيرة صالحة ، من ذلك أن فلاحا أنهى إليه أن
غلمانا له أخذوا له حمل بطيخ ، ففتشوا فإذا في خيمة الحاجب بطيخ فحملوه إليه ، ثم استدعى
بالحاجب فقال : من أين لك هذا البطيخ ؟ قال : جاء به الغلمان ، فقال : أحضرهم ، فذهب
وأمرهم بالهرب فأحضره وسلمه للفلاح ، وقال : خذ بيده فإنه مملوكي ومملوك أبي ، وإياك أن
تفارقه ، ثم رد على الفلاح الحمل البطيخ ، فخرج الفلاح يحمله وبيده الحاجب ، فاستنقذ الحاجب
نفسه من الفلاح بثلاثمائة دينار . ولما توجه لقتال أخيه تتش اجتاز بطوس فدخلها لزيارة قبر علي بن
موسى الرضى ، ومعه نظام الملك فلما خرجا قال للنظام : بم دعوت الله ؟ قال : دعوت الله أن
يظفرك على أخيك . قال : لكني قلت اللهم إن كان أخي أصلح للمسلمين فظفره بي ، وإن كنت أنا
أصلح لهم فظفرني به ، وقد سار بعسكره من أصبهان إلى أنطاكية فما عرف أن أحدا من جيشه ظلم
حدا من الرعية ، وكان مئين ألوف ، واستعدى إليه مرة تركماني أن رجلا افتض بكارة أبنته وهو
يريد أن يمكنه من قتله ، فقال له : يا هذا إن ابنتك لو شاءت ما مكنته من نفسها ، فإن كنت لا بد
فاعلا فاقتلها معه ، فسكت الرجل ، فقال له الملك : أو تفعل خيرا من ذلك ؟ قال : وما هو ؟ قال :
فإن بكارتها قد ذهبت ، فزوجها من ذلك الرجل وأنا أمهرها من بيت المال كفايتهما ، ففعل . وحكى
له بعض الوعاظ أن كسرى اجتاز يوما في بعض أسفاره بقرية وكان منفردا من جيشه ، فوقف على باب
دار فاستسقى فأخرجت إليه جارية إناء فيه ماء قصب السكر بالثلج ، فشرب منه فأعجبه فقال :
كيف تصنعون هذا ؟ فقالت : إنه سهل علينا اعتصاره على أيدينا ، فطلب منها شربة أخرى فذهبت