تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
محمود بن سبكتكين ، وكان من الدهاقين ، فأشغل ولده هذا ، فقرأ القرآن وله إحدى عشرة سنة . وأشغله بالعلم والقراءات والتفقه على مذهب الشافعي ، وسماع الحديث واللغة والنحو ، وكان عالي الهمة ، فحصل من ذلك طرفا صالحا ، ثم ترقى في المراتب حتى وزر للسلطان ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق ثم من بعده لملكشاه تسعا وعشرين سنة ، لم ينكب في شئ منها ، وبنى المدارس النظامية ببغداد ونيسابور وغيرهما ، وكان مجلسه عامرا بالفقهاء والعلماء ، بحيث يقضي معهم غالب نهاره ، فقيل له : إن هؤلاء شغلوك عن كثير من المصالح ، فقال : هؤلاء جمال الدنيا والآخرة ، ولو أجلستهم على رأسي لما استكثرت ذلك ، وكان إذا دخل عليه أبو القاسم القشيري وأبو المعالي الجويني قام لهما وأجلسهما معه في المقعد ، فإذا دخل أبو علي الفارمدي ( 1 ) قام وأجلسه مكانه ، وجلس بين يديه ، فعوتب في ذلك فقال : إنهما إذا دخلا علي قال : أنت وأنت ، يطروني ويعظموني ، ويقولوا في ما ليس في ، فأزداد بهما ما هو مركوز في نفس البشر ، وإذا دخل علي أبو علي الفارندي ( 1 ) ذكرني عيوبي وظلمي ، فانكسر فأرجع عن كثير من الذي أنا فيه . وكان محافظا على الصلوات في أوقاتها ، لا يشغله بعد الاذان شغل عنها وكان يواظب على صيام الاثنين والخميس ، وله الأوقاف الدارة ، والصدقات البارة . وكان يعظم الصوفية تعظيما زائدا ، فعوتب في ذلك ، فقال : بينما أنا أخدم بعض الملوك جاءني يوما إنسان فقال لي : إلى متى أنت تخدم من تأكله الكلاب غدا ؟ أخدم من تنفعك خدمته ، ولا تخدم من تأكله الكلاب غدا . فلم أفهم ما يقول ، فاتفق أن ذلك الأمير سكر تلك الليلة فخرج في أثناء الليل وهو ثمل ، وكانت له كلاب تفترس الغرباء بالليل ، فلم تعرفه فمزقته ، فأصبح وقد أكلته الكلاب ، قال : فأنا أطلب مثل ذلك الشيخ . وقد سمع الحديث في أماكن شتى ببغداد وغيرها ، وكان يقول : إني لاعلم بأني لست أهلا للرواية ولكني أحب أن أربط في قطار نقلة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال أيضا : رأيت ليلة في المنام إبليس فقلت له : ويحك خلقك الله وأمرك بالسجود له مشافهة فأبيت ، وأنا لم يأمرني بالسجود له مشافهة وأنا أسجد له في كل يوم مرات ، وأنشأ يقول : من لم يكن للوصال أهلا * فكل إحسانه ذنوب وقد أجلسه المقتدي مرة بين يديه وقال له : يا حسن ، رضي الله عنك برضا أمير المؤمنين عنك ، وقد ملك ألوفا من الترك ، وكان له بنون كثيرة ، وزر منهم خمسة ، وزر ابنه أحمد للسلطان محمد بن ملك شاه ، ولأمير المؤمنين المسترشد بالله ( 2 ) .
هامش
( 1 ) في الكامل : الفارمدي . ( 2 ) كذا بالأصل ولعل هناك سقطا : وتمامه في الوافي : وعلي وزر لتاج الدولة تتش ( بن ألب أرسلان - انظر أمراء دمشق ) ولقبه فخر الملك ، ومؤيد الملك عبيد الله ، وزر كياروق . ومن أولاده : عز الملك ، وعبد الرحيم .
البداية والنهاية — صفحة 173 | ابن كثير / علي شيري