تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
وجدد خاناتها وأسواقها ودورها ، وأمر بتجديد الجامع الذي تم على يد هارون الخادم ، في سنة أربع وعشرين وخمسمائة ، ووقف على نصب قبلته بنفسه ، ومنجمه إبراهيم حاضر ، ونقلت أخشاب جامع سامرا ، وشرع نظام الملك في بناء دار له هائلة ، وكذلك تاج الملوك أبو الغنائم ، شرع في بناء دار هائلة أيضا ، واستوطنوا بغداد . وفي جمادى الأولى وقع حريق عظيم ببغداد في أماكن شتى ، فما طفئ حتى هلك للناس شئ كثير ، فما عمروا بقدر ما حرق وما غرموا . وفي ربيع الأول خرج السلطان إلى أصبهان ، وفي صحبته ولد الخليفة أبو الفضل جعفر ، ثم عاد إلى بغداد في رمضان ، فبينما هو في الطريق ( 1 ) يوم عاشوراء عدا صبي من الديلم على الوزير نظام الملك ، بعد أن أفطر ، فضربه بسكين فقضى عليه بعد ساعة ( 2 ) ، وأخذ الصبي الديلمي فقتل ، وقد كان من كبار الوزراء وخيار الامراء وسنذكر شيئا من سيرته عند ذكر ترجمته ، وقدم السلطان بغداد في رمضان بنية غير صالحة ، فلقاه الله في نفسه ما تمناه لأعدائه ، وذلك أنه لما استقر ركابه ببغداد ، وجاء الناس للسلام عليه ، والتهنئة بقدومه ، وأرسل إليه الخليفة يهنئه ، فأرسل إلى الخليفة يقول له : لا بد أن تنزل لي عن بغداد ، وتتحول إلى أي البلاد شئت . فأرسل إليه الخليفة يستنظره شهرا ، فرد عليه : ولا ساعة واحدة ، فأرسل إليه يتوسل في إنظاره عشرة أيام ، فأجاب إلى ذلك بعد تمنع شديد ، فما استتم الاجل حتى خرج السلطان يوم عيد الفطر إلى الصيد فأصابته حمى شديدة ، فافتصد فما قام منها حتى مات قبل العشرة أيام ولله الحمد والمنة ( 3 ) . فاستحوذت زوجته زبيدة ( 4 ) خاتون على الجيش ، وضبطت الأموال والأحوال جيدا ، وأرسلت إلى الخليفة تسأل منه أن يكون ولدها محمود ملكا بعد أبيه ، وأن يخطب له على المنابر ، فأجابها إلى ذلك ، وأرسل إليه بالخلع ، وبعث يعزيها ويهنئها مع وزيره عميد الدولة بن جهير ، وكان عمر الملك محمود هذا يومئذ خمس سنين ( 5 ) ، ثم أخذته والدته في الجيوش وسارت به نحو أصبهان ليتوطد له الملك ، فدخلوها وتم لهم مرادهم ، وخطب لهذا الغلام في البلدان حتى في الحرمين ، واستوزر له تاج الملك أبا الغنائم المرزبان بن خسرو ، وأرسلت أمه إلى الخليفة تسأله أن تكون ولايات العمال إليه ، فامتنع الخليفة ووافقه الغزالي على ذلك ، وأفتى العلماء بجواز ذلك ، منهم المتطبب بن محمد الحنفي ، فلم يعمل إلا بقول الغزالي ، وانحاز أكثر جيش السلطان إلى ابنه الآخر بركيارق فبايعوه وخطبوا له بالري ، وانفردت الخاتون وولدها ومعهم شرذة
هامش
( 1 ) بالقرب من نهاوند ( الكامل - العبر لابن خلدون - مختصر أخبار البشر ) . وفي شذرات الذهب وروضات الجنات : قرية يقال لها : سحنة . ( 2 ) قال في الوافي 12 / 125 : ويقال : إن السلطان دس عليه من قتله لأنه سئم طول حياته ، واستكثر ما بيده من الاقطاعات . ولم يعش السلطان بعده سوى خمسة وثلاثين يوما . ( 3 ) يذكر ابن الأثير هنا رواية أخرى . انظر ( الكامل 10 / 210 والعبر لابن خلدون 3 / 478 ) . ( 4 ) في الكامل : تركان . وفي العبر : تركمان . أما زبيدة بنت عم ملك شاه فهي أم بركيارق ( العبر ) . ( 5 ) في الكامل 10 / 214 : أربع سنين وشهور ، وفي العبر 3 / 478 : أربع سنين .