كان بصيرا بالأصول والفروع ، أخذ الفقه عن القفال ، وحضر إمام الحرمين عنده وهو صغير ، فلم
يلتفت إليه ، فصار في نفسه منه ، فهو يخطئه كثيرا في النهاية . قال ابن خلكان : فمتى قال في
النهاية : وقال بعض المصنفين كذا وغلط في ذلك وشرع في الوقوع فيه فمراده أبو القاسم الفوراني .
توفي الفوراني في رمضان منها بمرو ، عن ثلاث وسبعين سنة ، وقد كتب تلميذه أبو سعد عبد
الرحمن بن محمد المأمون المعري المدرس بالنظامية بعد أبي إسحاق وقبل ابن الصباغ ، وبعده أيضا ،
كتابا على الإبانة ، فسماه تتمة الإبانة ، انتهى فيه إلى كتاب الحدود . ومات قبل إتمامه ، فتممه
أسعد العجلي وغيره ، لم يلحقوا شأوه ولا حاموا حوله ، وسموه تتمة التتمة .
ثم دخلت سنة اثنتين وستين وأربعمائة
قال ابن الجوزي : فمن الحوادث فيها أنه كان على ثلاث ساعات في يوم الثلاثاء الحادي عشر
من جمادى الأولى ، وهو ثامن عشرين أذار ، كانت زلزلة عظيمة بالرملة وأعمالها ، فذهب أكثرها
وانهدم سورها ، وعم ذلك بيت المقدس ونابلس ، وانخسفت إيليا ، وجفل البحر حتى انكشفت
أرضه ، ومشى ناس فيه ثم عاد وتغير ، وانهدم إحدى زوايا جامع مصر ، وتبعت هذه الزلزلة في
ساعتها زلزلتان أخريان . وفيها توجه ملك الروم من قسطنطينية إلى الشام في ثلاثمائة ألف مقاتل ،
فنزل على منبج وأحرق القرى ما بين منبج إلى أرض الروم ، وقتل رجالهم وسبى نساءهم وأولادهم ،
وفرع المسلمون بحلب وغيرها منه فزعا عظيما ، فأقام ستة عشر يوما ثم رده الله خاسئا وهو حسير ،
وذلك لقلة ما معهم من الميرة وهلاك أكثر جيشه بالجوع ، ولله الحمد والمنة .
وفيها ضاقت النفقة على أمير مكة فأخذ الذهب من أستار الكعبة والميزاب وباب الكعبة ،
فضرب ذلك دراهم ودنانير ، وكذا فعل صاحب المدينة بالقناديل التي في المسجد النبوي . وفيها كان
غلاء شديد بمصر فأكلوا الجيف والميتات والكلاب ، فكان يباع الكلب بخمسة دنانير ، وماتت الفيلة
فأكلت ميتاتها ، وأفنيت الدواب فلم يبق لصاحب مصر سوى ثلاثة أفراس ، بعد أن كان له العدد
الكثير من الخيل والدواب ، ونزل الوزير يوما عن بغلته فغفل الغلام عنها لضعفه من الجوع فأخذها
ثلاثة نفر فذبحوها وأكلوها فأخذوا فصلبوا فما أصبحوا إلا وعظامهم بادية ، قد أخذ الناس لحومهم
فأكلوها ، وظهر على رجل يقتل الصبيان والنساء ويدفن رؤوسهم وأطرافهم ، ويبيع لحومهم ، فقتل
وأكل لحمه ، وكانت الاعراب يقدمون بالطعام يبيعونه في ظاهر البلد ، لا يتجاسرون يدخلون لئلا
يخطف وينهب منهم ، وكان لا يجسر أحد أن يدفن ميته نهارا ، وإنما يدفنه ليلا خفية ، لئلا ينبش
فيؤكل . واحتاج صاحب مصر حتى باع أشياء من نفائس ما عنده ، من ذلك إحدى عشر ألف درع ،
وعشرون ألف سيف محلى ، وثمانون ألف قطعة بلور كبار ، وخمسة وسبعون ألف قطعة من الديباج