أرمانوس ، أسره غلام رومي ، فلما أوقف بين يدي الملك ألب أرسلان ضربه بيده ثلاث مقارع
وقال : لو كنت أنا الأسير بين يديك ما كنت تفعل ؟ قال : كل قبيح ، قال : فما ظنك بي ؟ فقال :
إما أن تقتل وتشهرني في بلادك ، وإما أن تعفو وتأخذ الفداء وتعيدني . قال : ما عزمت على غير العفو
والفداء . فافتدى نفسه منه بألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار . فقام بين يدي الملك وسقاه شربة
من ماء وقبل الأرض بين يديه ، وقبل الأرض إلى جهة الخليفة إجلالا وإكراما ، وأطلق له الملك
عشرة آلاف دينار ليتجهز بها ، وأطلق معه جماعة من البطارقة وشيعه فرسخا ، وأرسل معه جيشا
يحفظونه إلى بلاده ، ومعهم راية مكتوب عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فلما انتهى إلى بلاده وجد
الروم قد ملكوا عليهم غيره ، فأرسل إلى السلطان يعتذر إليه ، وبعث من الذهب والجواهر ما يقارب
ثلاثمائة ألف دينار وتزهد ولبس الصوف ثم استغاث بملك الأرمن فأخذه وكحله وأرسله إلى
السلطان يتقرب إليه بذلك .
وفيها خطب محمود بن مرداس للقائم وللسلطان ألب أرسلان ، فبعث إليه الخليفة بالخلع
والهدايا والتحف ، والعهد مع طراد . وفيها حج بالناس أبو الغنائم العلوي ، وخطب بمكة
للقائم ، وقطعت خطبة المصريين منها ، وكان يخطب لهم فيها من نحو مائة سنة ، فانقطع ذلك .
وفيها توفي من الأعيان . . .
أحمد بن علي
ابن ثابت بن أحمد بن مهدي ، أبو بكر الخطيب البغدادي ، أحد مشاهير الحفاظ ، وصاحب
تاريخ بغداد وغيره من المصنفات العديدة المفيدة ، نحو من ستين مصنفا ، ويقال بل مائة مصنف .
فالله أعلم . ولد سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة ، وقيل سنة ثنتين وتسعين ، وأول سماعه سنة ثلاث
وأربعمائة ، ونشأ ببغداد ، وتفقه على أبي طالب الطبري وغيره من أصحاب الشيخ أبي حامد
الأسفراييني ، وسمع الحديث الكثير ، ورحل إلى البصرة ونيسابور وأصبهان وهمذان والشام والحجاز ،
وسمي الخطيب لأنه كان يخطب بدرب ريحان ، وسمع بمكة على القاضي أبي عبد الله محمد بن سلامة
القضاعي ، وقرأ صحيح البخاري على كريمة بنت أحمد في خمسة أيام ، ورجع إلى بغداد وحظي عند
الوزير أبي القاسم بن مسلمة ، ولما ادعى اليهود الخيابرة أن معهم كتابا نبويا فيه إسقاط الجزية عنهم
أوقف ابن مسلمة الخطيب على هذا الكتاب . فقال : هذا كذب ، فقال له : وما الدليل على كذبه ؟
فقال : لان فيه شهادة معاوية بن أبي سفيان ولم يكن أسلم يوم خيبر ، وقد كانت خيبر في سنة سبع من
الهجرة ، وإنما أسلم معاوية يوم الفتح ، وفيه شهادة سعد بن معاذ ، وقد مات قبل خيبر عام الخندق
سنة خمس . فأعجب الناس ذلك . وقد سبق الخطيب إلى هذا النقل ، سبقه محمد بن جرير كما
ذكرت في مصنف مفرد ، ولما وقعت فتنة البساسيري ببغداد سنة خمسين خرج الخطيب إلى الشام فأقام