تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
وأناة ، حكى أبو إسحاق الصابي قال : كنت يوما عنده وقد جئ بدواة قد صنعت له ومرفع قد حليا له بحلية كثيرة ، فقال أبو محمد الفضل بن عبد الله الشيرازي - سرا بيني وبينه - : ما كان أحوجني إليها لأبيعها وأنتفع بها ، قلت : وأي شئ ينتفع الوزير بها ؟ فقال : تدخل في خزانتها ، فسمعها الوزير - وكان مصغ لنا ولا نشعر - فلما أمسى بعث بالدواة إلى أبي محمد الشيرازي ومرفعها وعشرة ثياب وخمسة آلاف درهم ، واصطنع له غيرها . فاجتمعنا يوما آخر عنده وهو يوقع من تلك الدواة الجديدة ، فنظر إلينا فقال : من يريدها منكما ؟ قال : فاستحيينا وعلمنا أنه قد سمع كلامنا ذلك اليوم ، وقلنا يمتع الله الوزير بها ويبقيه ليهب لنا مثلها . توفي المهلبي في هذه السنة عن أربع وستين سنة .

دعلج بن أحمد بن دعلج بن عبد الرحمن

أبو محمد ( 1 ) السجستاني المعدل ، سمع بخراسان وحلوان وبغداد والبصرة والكوفة ومكة ، وكان من ذوي اليسار والمشهورين بالبر والافضال ، وله صدقات جارية ، وأوقاف دارة دائرة على أهل الحديث ببغداد وسجستان ، كانت له دار عظيمة ببغداد ، وكان يقول : ليس في الدنيا مثل بغداد ، ولا في بغداد مثل القطيعة ، ولا في القطيعة مثل دار ( 2 ) أبي خلف ، ولا في دار ( 3 ) أبي خلف مثل داري . وصنف الدارقطني له مسندا . وكان إذ شك في حديث طرحه جملة ، وكان الدارقطني يقول : ليس في مشايخنا أثبت منه ، وقد أنفق في ذوي العلم والحاجات أموالا جزيلة كثيرة جدا ، اقترض منه بعض التجار عشرة آلاف دينار فاتجر بها ، فربح في مدة ثلاث سنين ثلاثين ألف دينار ، فعزل منها عشرة آلاف دينار وجاءه بها فأضافه دعلج ضيافة حسنة ، فلما فرغ من شأنها قال له : ما شأنك ؟ قال له : هذه العشرة آلاف دينار التي تفضلت بها ، قد أحضرت فقال : يا سبحان الله إني لم أعطكها لتردها فصل بها الأهل . فقال : إني قد ربحت بها ثلاثين ألف دينار فهذه منها : فقال له دعلج : أذهب بارك الله لك ، فقال له : كيف يتسع مالك لهذا ؟ ومن أين أفدت هذا المال ؟ قال : إني كنت في حداثة سني أطلب الحديث ، فجاءني رجل تاجر من أهل البحر فدفع إلى ألف ألف درهم ، وقال : اتجر في هذه ، فما كان من ربح فبيني وبيك ، وما كان من خسارة فعلي دونك ، وعليك عهد الله وميثاقه إن وجدت ذا حاجة أو خلة إلا سددتها من مالي هذا دون مالك ، ثم جاءني فقال : إني أريد الركوب في البحر فإن هلكت فالمال في يدك على ما شرطت عليك . فهو في يدي على ما قال . ثم قال لي : لا تخبر بها أحدا مدة حياتي . فلم أخبر به أحد حتى مات . توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة عن أربع أو خمس وتسعين سنة . رحمه الله .
هامش
( 1 ) في تذكرة الحفاظ 3 / 881 : أبو إسحاق السجزي المعدل . وفي الكامل لابن الأثير 8 / 545 : السجزي العدل ( 2 ) في ابن خلكان 2 / 271 : درب .