تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧

ترجمة النقفور ملك الأرمن واسمه الدمستق

الذي توفي في سنة ثنتين - وقيل خمس وقيل ست - وخمسين وثلاثمائة لا رحمه الله . كان هذا الملعون من أغلظ الملوك قلبا ، وأشدهم كفرا ، وأقواهم بأسا ، وأحدهم شوكة ، وأكثرهم قتلا وقتالا للمسلمين في زمانه ، استحوذ في أيامه لعنه الله على كثير من السواحل ، وأكثرها انتزعها من أيدي المسلمين قسرا ، واستمرت في يده قهرا ، وأضيفت إلى مملكة الروم قدرا . وذلك لتقصير أهل ذلك الزمان ، وظهور البدع الشنيعة فيهم وكثرة العصيان من الخاص والعام منهم ، وفشوا البدع فيهم ، وكثرة الرفض والتشيع منهم ، وقهر أهل السنة بينهم ، فلهذا أديل عليهم أعداء الاسلام ، فانتزعوا ما بأيديهم من البلاد مع الخوف الشديد ونكد العيش والفرار من بلاد إلى بلاد ، فلا يبيتون ليلة إلا في خوف من قوارع الأعداء وطوارق الشرور المترادفة ، فالله المستقان . وقد ورد حلب في مائتي ألف مقاتل بغتة في سنة إحدى وخمسين ، وجال فيها جولة . ففر من بين يديه صاحبها سيف الدولة ففتحها اللعين عنوة ، وقتل من أهلها من الرجال والنساء ما لا يعلمه إلا الله . وخرب دار سيف الدولة التي كانت ظاهر حلب ، وأخذ أموالها وحواصلها وعددها وبدد شملها ، وفرق عددها ، واستفحل أمر الملعون بها فإنا لله وإنا إليه راجعون . وبالغ في الاجتهاد في قتال الاسلام وأهله ، وجد في التشمير ، فالحكم لله العلي الكبير . وقد كان لعنه الله لا يدخل في بلد إلا قتل المقاتلة وبقية الرجال ، وسبى النساء والأطفال ، وجعل جامعها اصطبلا لخيوله ، وكسر منبرها ، واستنكث مأذنتها بخيله ورجله وطبوله . ولم يزل ذلك دأبه وديدنه حتى سلط الله عليه زوجته فقتلته بجواريها في وسط مسكنه . وأراح الله منه الاسلام وأهله ، وأزاح عنهم قيام ذلك الغمام ومزق شمله ، فلله النعمة والافضال ، وله الحمد على كل حال . واتفق في سنة وفاته موت صاحب القسطنطينية . فتكاملت المسرات وخلصت الأمنية ، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وتذهب السيئات ، وبرحمته تغفر الزلات . والمقصود أن هذا اللعين - أعني النقفور الملقب بالدمستق ملك الأرمن كان قد أرسل قصيدة إلى الخليفة المطيع لله ، نظمها له بعض كتابه ممن كان قد خذله الله وأذله ، وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة ، وصرفه عن الاسلام وأصله . يفتخر فيها بهذا اللعين ، ويتعرض لسب الاسلام والمسلمين ، ويتوعد فيها أهل حوزة الاسلام بأنه سيملكها كلها حتى الحرمين الشريفين ، عما قريب من الأعوام ، وهو أقل وأذل وأخس وأضل من الانعام ، ويزعم أنه ينتصر لدين المسيح عليه السلام ابن البتول . وربما يعرض فيها بجناب الرسول عليه من ربه التحية والاكرام ، ودوام الصلاة مدى الأيام . ولم يبلغني عن أحد من أهل ذلك العصر أنه رد عليه جوابه ، إما لأنها لم تشتهر ، وإما لأنه أقل من أن يردوا خطابه لأنه كالمعاند الجاحد . ونفس نظمها تدل على أنه شيطان مارد وقد انتخى للجواب عنها بعد ذلك أبو محمد بن حزم الظاهري : فأفاد وأجاد ، وأجاب عن كل فصل باطل بالصواب والسداد ، فبل الله بالرحمة ثراه . وجعل الجنة منقلبه ومثواه .
البداية والنهاية — صفحة 277 | ابن كثير / علي شيري