تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣

وآلات الحرب ، أخذ من ذلك ما لا يحصى كثرة ، وأخذ ما فيها من النساء والولدان وغيرهم ، ثم حاصر سور حلب فقاتل أهل البلد دونه قتالا عظيما ، وقتلوا خلقا كثيرا من الروم ، وثلمت الروم بسور حلب ثلمة عظيمة ، فوقف فيها الروم فحمل المسلمون عليهم فأزاحوهم عنها ، فلما جن الليل جد المسلمون في إعادتها فما أصبح الصباح إلا وهي كما كانت ، وحفظوا السور حفظا عظيما ، ثم بلغ المسلمون أن الشرط والبلاحية قد عاثوا في داخل البلد ينهبون البيوت ، فرجع الناس إلى منازلهم يمنعونها منهم قبحهم الله ، فإنهم أهل شر وفساد ، فلما فعلوا ذلك غلبت الروم على السور فعلوه ودخلوا البلد يقتلون من لقوه ، فقتلوا من المسلمين خلقا كثيرا وانتهبوا الأموال وأخذوا الأولاد والنساء . وخلصوا من كان بأيدي المسلمين من أسارى الروم ، وكانوا ألفا وأربعمائة ( 1 ) ، فأخذ الأسارى السيوف وقاتلوا المسلمين ، وكانوا أضر على المسلمين من قومهم ، وأسروا نحوا من بضعة عشر ألفا ما بين صبي وصبية ، ومن النساء شيئا كثيرا ، ومن الرجال الشباب ألفين ، وخربوا المساجد وأحرقوها ، وصبوا في جباب الزيت الماء حتى فاض الزيت على وجه الأرض ، وأهلكوا كل شئ قدروا عليه ، وكل شئ لا يقدرون على حمله أحرقوه ، وأقاموا في البلد تسعة أيام يفعلون فيها الأفاعيل الفاسدة العظيمة ، كل ذلك بسبب فعل البلاحية والشرط في البلد قاتلهم الله . وكذلك حاكمهم ابن حمدان كان رافضيا يحب الشيعة ويبغض أهل السنة ، فاجتمع على أهل حلب عدة مصائب ، ثم عزم الدمستق على الرحيل عنهم خوفا من سيف الدولة ، فقال له ابن أخيه : أين تذهب وتدع القلعة وأموال الناس غالبها فيها ونساؤهم ؟ فقال له الدمستق : إنا قد بلغنا فوق ما كنا نأمل ، وإن بها مقاتلة ورجالا غزاة ، فقال له لابد لنا منها ، فقال له : اذهب إليها ، فصعد إليها في جيش ليحاصرها فرموه بحجر فقتلوه في الساعة الراهنة من بين الجيش كله ، فغضب عند ذلك الدمستق وأمر بإحضار من في يديه من أسارى المسلمين ، وكانوا قريبا من ألفين ( 2 ) ، فضربت أعناقهم بين يديه لعنه الله ، ثم كر راجعا . وقد دخلوا عين زربة قبل ذلك في المحرم من هذه السنة ، فاستأمنه أهلها فأمنهم وأمر بأن يدخلوا كلهم المسجد ومن بقي في منزله قتل ، فصاروا إلى المسجد كلهم ثم قال : لا يبقين أحد من أهلها اليوم إلا ذهب حيث شاء ، ومن تأخر قتل ، فازدحموا في خروجهم من المسجد فمات كثير منهم ، وخرجوا على وجوههم لا يدرون أين يذهبون ، فمات في الطرقات منهم خلقا كثير . ثم هدم الجامع وكسر المنبر وقطع من حول البلد أربعين ألف نخلة ، وهدم سور البلد والمنازل المشار إليها ، وفتح حولها أربعة وخمسين حصنا بعضها بالسيف وبعضها بالأمان ، وقتل الملعون خلقا كثيرا ، وكان في جملة من أسر أبو فراس بن سعيد بن حمدان نائب منبج .

هامش
( 1 ) في تاريخ الزمان ص 62 : ألف ومائتي رومي . ( 2 ) في الكامل 8 / 542 والعبر 4 / 239 : ألف ومائتين
البداية والنهاية — صفحة 273 | ابن كثير / علي شيري