تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩

فغلبهم الترك وأخرجوهم من بغداد ، فوقعت الحرب بين العامة والديلم جند أبي الحسين . وفي شعبان منها اشتد الحال أيضا ونهبت المساكن وكبس أهلها ليلا ونهارا ، وخرج جند البريدي فنهبوا الغلات من القرى والحيوانات ، وجرى ظلم لم يسمع بمثله . قال ابن الأثير : وإنما ذكرنا هذا ليعلم الظلمة أن أخبارهم الشنيعة تنقل وتبقى بعدهم على وجه الأرض ( 1 ) وفي الكتب ، ليذكروا بها ويذموا ويعابوا ، ذلك لهم خزي في الدنيا وأمرهم إلى الله لعلهم يتركوا الظلم لهذا إن لم يتركوه لله . وقد كان الخليفة أرسل وهو ببغداد إلى ناصر الدولة بن حمدان نائب الموصل يستمده ويستحثه على البريدي ، فأرسل ناصر الدولة أخاه سيف الدولة عليا في جيش كثيف ، فلما كان بتكريت إذا الخليفة وابن رائق قد هربا فرجع معهما سيف الدولة إلى أخيه ، وخدم سيف الدولة الخليفة خدمة كثيرة . ولما وصلوا إلى الموصل خرج عنها ناصر الدولة فنزل شرقها ، وأرسل التحف والضيافات ، ولم يجئ إلى الخليفة خوفا من الغائلة من جهة أبن رائق ، فأرسل الخليفة ولده أبا منصور ومعه ابن رائق للسلام على ناصر الدولة ، فصارا إليه فأمر ناصر الدولة أن ينثر الذهب والفضة على رأس ولد الخليفة ، وجلسا عنده ساعة ، ثم قاما ورجعا ، فركب ابن الخليفة وأراد ابن رائق أن يركب معه ، فقال له ناصر الدولة : اجلس اليوم عندي حتى نفكر فيما نصنع في أمرنا هذا ، فاعتذر إليه بابن الخليفة واستراب بالامر وخشي ، فقبض ابن حمدان بكمه فجبذه ابن رائق منه فانقطع كمه ، وركب سريعا فسقط عن فرسه فأمر ناصر الدولة بقتله فقتل ، وذلك يوم الاثنين لسبع بقين من رجب منها . فأرسل الخليفة إلى ابن حمدان فاستحضره وخلع عليه ولقبه ناصر الدولة يومئذ ، وجعله أمير الأمراء ، وخلع على أخيه أبي الحسن ولقبه سيف الدولة يومئذ ، ولما قتل ابن رائق وبلغ خبر مقتله إلى صاحب مصر الاخشيد محمد بن طغج ركب إلى دمشق فتسلمها من محمد بن يزداد نائب ابن رائق ولم ينتطح فيها عنزان . ولما بلغ خبر مقتله إلى بغداد فارق أكثر الأتراك أبا الحسين البريدي لسوء سيرته ، وقبح سريرته قبحه الله ، وقصدوا الخليفة وابن حمدان فتقوى بهم ، وركب هو والخليفة إلى بغداد ، فلما اقتربوا منها هرب عنها أبو الحسين أخو البريدي فدخلها المتقي ومعه بنو حمدان في جيوش كثيرة ، وذلك في شوال ، ففرح المسلمون فرحا شديدا . وبعث الخليفة إلى أهله - وقد كان أخرجهم إلى سامرا - فردهم ، وتراجع أعيان الناس إلى بغداد بعد ما كانوا قد ترحلوا عنها . ورد الخليفة أبا إسحاق القراريطي ( 2 ) إلى الوزارة وولى توزون ( 3 ) شرطة جانبي بغداد ، وبعث ناصر الدولة أخاه سيف الدولة في جيش وراء أبي الحسين أخي البريدي ، فلحقه عند المدائن فاقتتلوا قتالا شديدا في أيام نحسات ، ثم كان آخر الامر أن انهزم أبو الحسين إلى أخيه البريد بواسط ، وقد ركب ناصر .

هامش
( 1 ) في الكامل : وجه الدهر . ( 2 ) من الكامل والعبر والفخري ، وهو أبو إسحاق محمد بن إبراهيم الإسكافي ، وفي الأصل : الفزاري . ( 3 ) قال أبو الفداء في مختصر تاريخ البشر 2 / 90 : تورون وهو اسم تركي مشتق من اسم الباطية . لان الباطية اسمها بالتركي تروو
البداية والنهاية — صفحة 229 | ابن كثير / علي شيري