تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
ثم دخل على أهله يستكشف خبرها من امرأته ، فإذا بها قد هيئت له ، فلما رآها على ؟ الصفة فرح فرحا شديدا إذ وجدها كذلك من أجل سيدها الأول ، الذي تشفع فيه صاحبه . فأخرجها معه وهو يظهر السرور ، وامرأته تظن أنه إنما أخذها ليطأها ، فأتى بها إلى ذلك الرجل بحليها وزينتها ، فقال له : هذه جاريتك ؟ فلما رآها على تلك الصفة في ذلك الحلي والزينة مع الحسن الباهر اضطرب كلامه واختلط في عقله مما رأى من حسن منظرها وهيئتها . فقال : نعم . فقال : خذها بارك الله لك فيها . ففرح الفتى بها فرحا شديدا . وقال سيدي تأمر بمن يحمل ثمنها إليك ؟ فقال : لا حاجة لنا بثمنها ، وأنت في حل منه أنفقه عليك وعليها ، فإني أخشى أن تفتقر فتبيعها لمن لا يردها عليك . فقال : يا سيدي وهذا الحلي والمصاغ الذي عليها ؟ فقال : هذا شئ وهبناه لها لا نرجع فيه ولا يعود إلينا أبدا ، فدعا له واشتد فرحه بها جدا وأخذها وذهب . فلما أراد أن يودع ابن أبي حامد قال ابن أبي حامد للجارية : أيما أحب إليك نحن أو سيدك هذا ؟ فقالت : أما أنتم فقد أحسنتم إلى وأعنتموني فجزاكم الله خيرا ، وأما سيدي هذا فلو أني ملكت منه ما ملك مني لم أبعه بالأموال الجزيلة ولا فرطت فيه أبدا . فاستحسن الحاضرون كلامها وأعجبهم ذلك من قولها ، مع صغر سنها .

شغب أم أمير المؤمنين المقتدر بالله الملقبة بالسيدة

كان دخلها من أملاكها في كل سنة ألف ألف دينار ، فكانت تتصدق بأكثر ذلك على الحجيج في أشربة وأزواد وأطباء يكونون معهم ، وفي تسهيل الطرقات والموارد . وكانت في غاية الحشمة والرياسة ونفوذ الكلمة أيام ولدها ، فلما قتل كانت مريضة فزادها قتله مرضا إلى مرضها ، ولما استقر أمر القاهر في الخلافة وهو ابن زوجها المعتضد وأخو ابنها المقتدر ، وقد كانت حضنته حين توفيت أمه وخلصته من ابنها لما أخذت البيعة بالخلافة له ثم رجع ابنها إلى الخلافة ، فشفعت في القاهر وأخذته إلى عندها ، فكانت تكرمه وتشتري له الجواري ، فلما قتل ابنها وتولى مكانه طلبها وهي مريضة فعاقبها عقوبة عظيمة جدا ، حتى كان يعلقها برجليها ورأسها منكوس ، فربما بالت فيسيل البول على وجهها ، ليقررها على الأموال فلم يجد لها شيئا سوى ثيابها ومصاغها وحليها في صناديقها . قيمة ذلك مائة ألف دينار ، وثلاثون ألف دينار ، وكان لها غير ذلك أملاك أمر ببيعها وأتي بالشهود ليشهدوا عليها بالتوكيل في بيعها ، فامتنع الشهود من الشهادة حتى ينظروا إليها ويحلوها ، فرفع الستر بإذن الخليفة فقالوا لها : أنت شغب جارية المعتضد أم جعفر المقتدر ؟ فبكت بكاء طويلا ثم قالت : نعم ، فكتبوا حليتها عجوز سمراء اللون دقيقة الجبين . وبكى الشهود وتفكروا كيف يتقلب الزمان بأهله ، وتنقل الحدثان وأن الدنيا دار بلاء لا يفي مرجوها بمخوفها ، ولا يسلم طلوعها من كسوفها ، من ركن إليها أحرقته بنارها . ولم يذكر القاهر شيئا من إحسانها إليه رحمها الله وعفا عنها . توفيت في جمادى الأولى من هذه السنة ، ودفنت بالرصافة .
البداية والنهاية — صفحة 199 | ابن كثير / علي شيري