تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
ومن شعره أيضا : خلقان لا أرضى طريقهما * بطر الغنى ومذلة الفقر فإذا غنيت فلا تكن بطرا * وإذا افتقرت فته على الدهر وقد كانت وفاته وقت المغرب عشية يوم الأحد بقيا من شوال من سنة عشر وثلاثمائة . وقد جاوز الثمانين بخمس سنين أو ست سنين ، وفي شعر رأسه ولحيته سواد كثير ، ودفن في داره لان بعض عوام الحنابلة ورعاعهم منعوا دفنه نهارا ونسبوه إلى الرفض ، ومن الجلهة من رماه بالالحاد ، وحاشاه من ذلك كله . بل كان أحد أئمة الاسلام علما وعملا بكتاب الله وسنة رسوله ، وإنما تقلدوا ذلك عن أبي بكر محمد بن داود الفقيه الظاهري ، حيث كان يتكلم فيه ويرميه بالعظائم وبالرفض . ولما توفي اجتمع الناس من سائر أقطار بغداد وصلوا عليه بداره ودفن بها ، ومكث الناس يترددون إلى قبره شهروا يصلون عليه ، وقد رأيت له كتابا جمع فيه أحاديث غدير خم في مجلدين ضخمين ، وكتابا جمع فيه طريق حديث الطير . ونسب إليه أنه كان يقول بجواز مسح القدمين في الوضوء وأنه لا يوجب غسلهما ، وقد اشتهر عنه هذا . فمن العلماء من يزعم أن ابن جرير اثنان أحدهما شيعي وإليه ينسب ذلك ، وينزهون أبا جعفر هذا عن هذه الصفات . والذي عول عليه كلامه في التفسير أنه يوجب غسل القدمين ويوجب مع الغسل دلكهما ، ولكنه عبر عن الدلك بالمسح ، فلم يفهم كثير من الناس مراده ، ومن فهم مراده نقلوا عنه أنه يوجب الغسل والمسح وهو الدلك والله أعلم . وقد رثاه جماعة من أهل العلم منهم ابن الأعرابي حيث يقول : حدث مفظع وخطب جليل * دق عن مثله اصطبار الصبور قام ناعي العلوم أجمع لما * قام ناعي محمد بن جرير فهوت أنجم لها زاهرات * مؤذنات رسومها بالدثور وتغشى ضياها النير الاشراق * ثوب الدجنة الديجور وغدا روضها الأنيق هشيما * ثم عادت سهولها كالوعور يا أبا جعفر مضيت حميدا * غير وان في الجد والتشمير بين أجر على اجتهادك موفور * وسعي إلى التقى مشكور مستحقا به الخلود لدى جنة * عدن في غبطة وسرور ولأبي بكر بن دريد رحه الله فيه مرثاة طويلة ( 1 ) ، وقد أوردها الخطيب البغدادي بتمامها . والله سبحانه أعلم .
هامش
( 1 ) ومنها : تذكرة الحفاظ 1 / 715 : إن المنية لم تتلف به رجلا * بل أتلفت علما للدين منصوبا كان الزمان به تصفو مشاربه * والآن أصبح بالتكدير مقطوبا
البداية والنهاية — صفحة 167 | ابن كثير / علي شيري