تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
فيمن يدعي الاسلام وهو منافق ، يتمسخرون بالرسول ودينه وكتابه ، وهؤلاء ممن قال الله تعالى فيهم ( ولئن سألتهم ليقولون إنما كنا نخوض ونلعب ، قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون . لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ) الآية [ التوبة : 65 ] . وقد كان أبو عيسى الوراق مصاحبا لابن الراوندي قبحهما الله ، فلما علم الناس بأمرهما طلب السلطان أبا عيسى فأودع السجن حتى مات . وأما ابن الراوندي فهرب فلجأ إلى ابن لاوي اليهودي ، وصنف له في مدة مقامه عنده كتابه الذي سماه " الدامغ للقرآن " فلم يلبث بعده إلا أياما يسيرة حتى مات لعنه الله . ويقال : إنه أخذ وصلب . قال أبو الوفاء بن عقيل : ورأيت في كتاب محقق أنه عاش ستا وثلاثين سنة مع ما انتهى إليه من التوغل في المخازي في هذا العمر القصير لعنه الله وقبحه ولا رحم عظامه . وقد ذكره ابن خلكان في الوفيات وقلس عليه ولم يخرجه بشئ ، ولا كأن الكلب أكل له عجينا ، على عادته في العلماء والشعراء ، فالشعراء يطيل تراجمهم ، والعلماء يذكر لهم ترجمة يسيرة ، والزنادقة يترك ذكر زندقتهم . وأرخ ابن خلكان تاريخ وفاته في سنة خمس وأربعين ومائتين ، وقد وهم وهما فاحشا ، والصحيح أنه توفي في هذه السنة كما أرخه ابن الجوزي وغيره . وفيها توفي :

الجنيد بن محمد بن الجنيد

أبو القاسم الخزاز ، ويقال له القواريري ، أصله من نهاوند ، ولد ببغداد ونشأ بها . وسمع الحديث من الحسين بن عرفة . وتفقه بأبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي ، وكان يفتي بحضرته وعمره عشرون سنة ، وقد ذكرناه في طبقات الشافعية ، واشتهر بصحبة الحارث المحاسبي ، وخاله سري السقطي ، ولازم التعبد ، ففتح الله عليه بسبب ذلك علوما كثيرة ، وتكلم على طريقة الصوفية . وكان ودده في كل يوم ثلاثمائة ركعة ، وثلاثين ألف تسبيحة . ومكث أربعين سنة لا يأوي إلى فراش ، ففتح عليه من العلم النافع والعمل الصالح بأمور لم تحصل لغيره في زمانه ، وكان يعرف سائر فنون العلم ، وإذا أخذ فيها لم يكن له فيها وقفة ولا كبوة ، حتى كان يقول في المسألة الواحدة وجوها كثيرة لم تخطر للعلماء ببال ، وكذلك في التصوف وغيره . ولما حضرته الوفاة جعل يصلى ويتلوا القرآن ، فقيل له : لو رفقت بنفسك في مثل هذا الحال ؟ فقال : لا أحد أحوج إلى ذلك مني الآن ، وهذا أوان طي صحيفتي . قال ابن خلكان : أخذ الفقه عن أبي ثور ويقال : كان يتفقه على مذهب سفيان الثوري ، وكان ابن سريح يصحبه ويلازمه ، وربما استفاد منه أشياء في الفقه لم تخطر له ببال ، ويقال : إنه سأله مرة عن مسألة . فأجابه فيها بجوابات كثيرة ، فقال : يا أبا القاسم ألم أكن أعرف فيها سوى ثلاثة أجوبة مما ذكرت ، فأعدها علي . فأعادها بجوابات أخرى كثيرة . فقال : والله ما سمعت هذا قبل اليوم ، فأعده