تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
فأعاده بجوابات أخرى غير ذلك ، فقال له : لم أسمع بمثل هذا فأمله علي حتى أكتبه . فقال الجنيد : لئن كنت أجريه فأنا أميله ، أي إن الله هو الذي يجري ذلك على قلبي وينطق به لساني ، وليس هذا مستفاد من كتب ولا من تعلم ، إنما هذا من فضل الله عز وجل يلهمنيه ويجريه على لساني . فقال : فمن أين استفدت هذا العلم ؟ قال : من جلوسي بين يدي الله أربعين سنة . والصحيح أنه كان على مذهب سفيان الثوري وطريقه والله أعلم . وسئل الجنيد عن العارف ؟ فقال : من نطق عن سرك وأنت ساكت . وقال : مذهبنا هذا مقيد بالكتاب والسنة ، فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في مذهبنا وطريقتنا . ورأى بعضهم معه مسبحة فقال له : أنت مع شرفك تتخذ مسبحة ؟ فقال : طريق وصلت به إلى الله لا أفارقه . وقال له خاله السري : تكلم على الناس . فلم ير نفسه موضعا . فرأى في المنام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : تكلم على الناس . فغدا على خاله ، فقال له : لم تسمع مني حتى قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم . فتكلم على الناس ، فجاءه يوما شاب نصراني في صورة مسلم ، فقال له : يا أبا القاسم ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله " ( 1 ) ؟ فأطرق الجنيد ، ثم رفع رأسه إليه وقال : أسلم فقد آن لك أن تسلم : قال فأسلم الغلام . وقال الجنيد : ما انتفعت بشئ انتفاعي بأبيات سمعتها من جارية تغني بها في غرفة وهي تقول : إذا قلت : أهدى الهجر لي حلل البلى * تقولين : لولا الهجر لم يطب الحب وإن قلت : هذا القلب أحرقه الجوى ( 2 ) * تقولين لي : إن الجوى شرف القلب وإن قلت : ما أذنبت ، قالت ( 3 ) مجيبة : حياتك ذنب لا يقاس به ذنب قال : فصعقت وصحت ، فخرج صاحب الدار فقال : يا سيدي مالك ؟ قلت : مما سمعت . قال : هي هبة مني إليك . فقلت : قد قبلتها وهي حرة لوجه الله . ثم زوجتها لرجل ، فأولدها ولدا صالحا حج على قدميه ثلاثين حجة . وفيها توفي : سعيد بن إسماعيل بن سعيد بن منصور أبو عثمان الواعظ ولد بالري ، ونشأ بها ، ثم انتقل إلى نيسابور ( 4 ) فسكنها إلى أن مات بها ، وقد دخل بغداد . وكان
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في كتاب التفسير ، تفسير سورة ( 15 ) باب ( 6 ) . ( 2 ) في وفيات الأعيان 1 / 374 : الهوى تقولي بنيران الهوى . . ( 3 ) في الوفيات : قلت . ( 4 ) ويعرف بأبي عثمان الحيري ، ( نسبة إلى الحيرة : بكسر الحاء - محلة كبيرة كانت بنيسابور وهي غير الحيرة التي بالعراق ) تزوج بابنة أبي حفص النيسابوري وتوطن نيسابور ومات بها .