تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي — صفحة 365

مساهمون:

ص٣٦٥
ما يأمل الخطاءون إلا رحمة من أسبل عَلَى خطاياهم ذيل الكرم فسترها ، لولا أن حلمه وسع الخلق لهلكوا . قال هارون بن رئاب : حملة العرش أربعة يتجابون بالتسبيح يقول اثنان منهم : سبحانك وبحمدك ، عَلَى حلمك بعد علمك ؟ ويقول الآخران : سبحانك وبحمدك عَلَى عفوك بعد قدرتك ؛ لما يرون من ذنوب بني آدم . وقال محمد بن النضر الحارثي : أصبت في بعض الكتب أن الله تعالى يقول : يا ابن آدم ، لو يعلم الناس منك ما أعلم لنبذوك ، فقد سترت عليك ، وغفرت لك عَلَى ما كان منك ، ما لم تشرك بي شيئًا . وفي " الصحيحين " ( 1 ) عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إِنَّ اللهَ لَيَدْعُو العَبْدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ وَيَقُولُ : أَتَذْكُرُ ذَنْبَ كَذَا ؟ أَتَذْكُرُ ذَنْبَ كَذَا ؟ فَلاَ يَزَال يُقَرِّرُهُ حَتَّى إِذَا رَأَى أَنَّهُ هَلَكَ قَالَ لَهُ : إِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا ، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ " . وفي رواية : « يَأْتِي اللَّهُ تَعَالَى بِالْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةَ ، فَيُقَرِّبُهُ حَتَّى يَجْعَلَهُ فِي حِجَابِهِ مِنْ جَمِيعِ الْخَلْقِ ، فَيَقُولُ لَهُ : اقْرَأْ ، فَيُعَرِّفُهُ ذَنْبًا ذَنْبًا : أَتَعْرِفُ ؟ أَتَعْرِفُ ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ ، نَعَمْ ، ثُمَّ يَلْتَفِتُ الْعَبْدُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً ، فَيَقُولُ اللَّهُ : لَا بَأْسَ عَلَيْكَ يَا عَبْدِي أَنْتَ فِي سِتْرِي مِنْ جَمِيعِ خَلْقِي ، لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ الْيَوْمَ أَحَدٌ يَطَّلِعُ عَلَى ذُنُوبِكَ غَيْرِي ، اذْهَبْ فَقَدْ غَفَرْتُهَا لَكَ اليَوْمَ بِحَرْفٍ وَاحِدٍ مِنْ جَمِيعِ مَا أَتَيْتَنِي بِهِ ، قَالَ : مَا هُوَ يَا رَبِّ ؟ قَالَ : كُنْتَ لَا تَرْجُو الْعَفْوَ مِنْ أَحَدٍ غَيْرِي » . إخواني : هب أنه تجاوز عن الزلل ، فأين ما يلقاه العاصي عند تقريره بذنوبه من الحياء والخجل ؟ ! العارفون يشتد قلقهم من الحياء من الله عند الوقوف بين يديه . قال بعضهم : ما يمر بي أشد من الحياء من الله .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( 2441 ) ، ومسلم ( 2768 ) .