وأما فتنة الشبهات والأهواء الضلة فبسببها تَفَرَّقَ أهل القبلة ، وصاروا شيعًا ، وكفَّر بعضهم بعضًا ، وصاروا أعداءً وفرقًا وأحزابًا ، بعد أن كانوا إخوانًا قلوبهم عَلَى قلب رجل واحدٍ ، فلم ينج من هذه الفرق إلا الفرقة الواحدة الناجية ، وهم المذكورون في قوله - صلى الله عليه وسلم - : « لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ ، أَوْ خَالَفَهُم حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ ، وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ » ( 1 ) .
وهم في آخر الزمان الغرباء المذكورون في هذه الأحاديث ، الذين يصلحون إذا فسد الناس ، وهم الذين يصلحون ما أفسد الناس من السنة ، وهم الذين يفرون بدينهم من الفتن ، وهم النُّزَّاع من القبائل ؛ لأنهم قلُّوا ، فلا يوجد في كل قبيلة منهم إلا الواحد والاثنان ، وقد لا يوجد في بعض القبائل منهم أحد ، كما كان الداخلون إِلَى الإسلام في أول الأمر كذلك ، وبهذا فسر الأئمة هذا الحديث .
قال الأوزاعي في قوله - صلى الله عليه وسلم - : « بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ » : أما إنه ما يذهب الإسلام ، ولكن يذهب أهل السنة حتى ما يبقى في البلد منهم إلا رجل واحد .
ولهذا المعنى يوجد في كلام السلف كثيرًا مدح السنة ووصفها بالغربة ، ووصف أهلها بالقلة ، فكان الحسن البصري رحمه الله يقول لأصحابه : يا أهل السنة ، ترفقوا ، رحمكم الله ، فإنكم من أقل الناس .
وقال يونس بن عبيد : ليس شيء أغرب من السنة ، وأغرب منها من يعرفها . وروي عنه أنه قال : أصبح من إذا عرف السنة فعرفها غريبًا ، وأغرب منه من يعرفها .
وعن سفيان الثوري أنه قال : استوصوا بأهل السنة خيرًا ، فإنهم غرباء .
ومراد هؤلاء الأئمة بالسنة : طريقة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي كان هو وأصحابه عليها ، السالمة من الشبهات والشهوات .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( 7311 ) ، ومسلم ( 1524 ) .