تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
إِلَى جنب قبر غيره . ففعل مثل ذلك فذكرتُ ذلك لمحمد بن المنكدر ، وقلتُ : إِنَّمَا ظننتُ أنه قبر بعض أهله . فَقَالَ محمد : كلهم أهله وإخوانه ، إِنَّمَا هو رجل يحرك قلبه بذكر الأموات ، كلّما عرضت له قسوةٌ . قال : ثم جعل محمد بن المنكدر بعد يمرّ بي فيأتي البقيع ، فسلَّمت عليه ذات يوم ، فَقَالَ : ما نفعتك موعظة صفوان . قال : فظنت أنه انتفع بما ألقيتُ إِلَيْهِ منها . وذكر أيضاً أنَّ عجوزًا مُتَعبِّدة من عبد القيس كانت تُكثر إتيان القبور ، فعُوتبت في ذلك . فقالت : إِنَّ القلب القاسي إذا جفا لم يليِّنه إلاَّ رسوم البلى ، وإنِّي لآتي القبور وكأني أنظر إليهم وقد خرجوا من بين أطباقها ، وكأني أنظر إِلَى تلك الوجوه المتعفِّرة ، وإلى تلك الأجسام المتغيِّرة ، وإلى تلك الأكفان الدنسة . فيا له منظر لم أَسرّ به ( 1 ) قلوبهم ، ما أنكل ( 2 ) مرارة الأنفس وأشد تلفة الأبدان . وقال زياد النميري : ما اشتقت إِلَى البكاء إلاَّ مررت عليه . قال له رجل : وكيف ذلك ؟ قال : إذا أردتُ ذلك خرجت إِلَى المقابر فجلست إِلَى بعض تلك القبور ، ثم فكَّرتُ فيما صاروا إِلَيْهِ من البلى ، وذكرت ما نحن فيه من المُهلة . قال : فعند ذلك تختفي أطوَاري ! وقلتُ والله الموفَّق : أفي دار الخراب تظل تبني . . . وتعمر ما لعمران خُلقتا وما تركت لك الأيامُ عذرًا . . . لقد وعظتك لكن ما اتعظتا تُنادي للرحيل بكل حين . . . وتُعلن إنَّمَا المقصودُ أنتا وتُسمعك النداءَ وأنت لاهٍ . . . عن الداعي كأنَّك ما سمعتا وتعلم أنَّه سفرٌ بعيد . . . وعن إعداد زادٍ قد غفلتا
هامش
( 1 ) بياض بقدر كلمة . ( 2 ) في الأصل : " نكل " .
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي — صفحة 267 | عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي ( ابن رجب الحنبلي ) / أبو مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني