تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
فمثَّل المحرَّمات في هذا الحديث بالحمى ، وهو ما يحميه الملوك وتمنع من قُربانه ، وجعل الحلال بيِّنًا والحرام بيِّنًا ، ومُراده : الحلال المحض والحرام المحض ؛ فإنَّ لكل منهما حُدودًا معروفة في الشريعة ، وجعل بينهما أمورًا مشتبهة عَلَى كثير من الناس ، لا يدرون هل هي من الحلال أم من الحرام ، فدَّل عَلَى أنَّ من الناس من لا يشتبه عليه حُكمُها ، فيعلم أنَّها حلالٌ أو أنها حرام . فأمَّا من اشتبه عليه حُكمُها فإنَّ الأولى له أنْ يتقيها ويجتنبها ؛ كما قال عُمر : " ذروا الربا والريبة " ( 1 ) . وأخبر أنَّه من وقع في الأمور المشُتبهة وقع في الحرام ، والمراد : أنَّ نفسَه تدعوه مِن ارتكاب الشبهات إِلَى ارتكاب الحرام . ومثَّله بالراعي حول الحمى يُوشك أنْ يرتع فيه ، فأمَّا من بعُد عن الحِمى فإنَّه ييعُد وقوعُه في الحرام ؛ ولهذا قال من قال من السلف : اجعل يينك وبين الحرام شيئًا مِن الحلال . وفي الحديث المرفوع ، الَّذِي خرَّجه " الترمذي " ( 2 ) : « لاً يَبْلُغُ العَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ المُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لاً بَأْسَ بِهِ حَذَرًا مِمَّا بِهِ البَأْسُ » . وهذه الأمور المشتبهات منها ما يقوى شبهُه بالحرام ، ومنها ما ييعُد شبهُه بالحرام ، ومنها ما يتردد ، الشبهة بين الحلال والحرام . فالأوَّل يقوى فيه التحريم ، والثاني يقوى فيه الكراهة ، والثالث يتردد فيه ، واجتنابُ الكل حسن ، وهو الأفضل والأولى . وقولُه : " فيهما - يعني : السورين - أبوابٌ مفتحة ، وعلى الأبواب سُتور مُرخاة " .
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد ( 1 / 36 ) ، وابن ماجة ( 2276 ) . ( 2 ) برقم ( 2451 ) قال الترمذي : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه .