تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
وفي الحديث الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " « حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ » ( 1 ) . وفي رواية : " حُجبت " ( 2 ) بدل : " حُفَّت " . فاللهُ - سبحانه - امتحن عباده في هذه الدار بهذه المحرَّمات من الشهوات والشُّبهات ، وجعل في النفس داعيًا إِلَى حبها مع تمكن العبد منها وقُدرته عليها . فمن أدَّى الأمانة ، وحفظ حدودَ الله ومنع نفسه ما يُحبه من محارم الله كان عاقبته الجنةُ ؛ كما قال تعالى : { وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى } ( 3 ) . فلذلك يحتاج العبدُ في هذه الدار إِلَى مُجاهدة عظيمة ، يُجاهد نفسه في الله - عز وجل - كما في الحديث : " المجاهدُ مَن جاهد نفسه في الله - عز وجل " ( 4 ) . فمن كانت نفسُه شريفة ، وهِمَّته عالية لم يرض لها بالمعاصي ؛ فإنَّها خيانةٌ ولا يرضى بالخيانة إلاَّ مَن لا نفس له . قال بعضُ السلف : رأيتُ المعاصي نذالة ، فتركتها مروءة فاستحالت ديانة . وقال آخر منهم : تركتُ الذنوب حياء أربعين سنة ، ثم أدركني الورع . وقال آخر : مَن عمل في السر عملاً يستحيي منه إذا ظهر عليه ، فليس لنفسه عنده قدر . قال بعضهم : ما أكرم العبادُ أنفسهم بمثل طاعة الله ، ولا أهانوها بمثل معاصي الله عز وجل . فمن ارتكب المحارم فقد أهان نفسه .
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم ( 2822 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 6487 ) . ( 3 ) النازعات : 40 . ( 4 ) أخرجه أحمد ( 6 / 21 ، 22 ) ، وأبو داود ( 2500 ) ، والترمذي ( 1621 ) ، والنسائي في " الكبرى " " تحفة الأشراف " ( 8 / 11038 ) من حديث فضالة بن عبيد .
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي — صفحة 203 | عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي ( ابن رجب الحنبلي ) / أبو مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني