وفي المثل المضروب أنَّ الكلب قال للأسد : يا سيد السباع ، غيِّر اسمي ؛ فإنه قبيح . فَقَالَ له : أنت خائن ، لا يصلح لك غير هذا الاسم . قال : فجرّبنى . فأعطاه شقة لحم ، وقال : احفظ لي هذه إِلَى غد وأنا أغيِّر اسمك .
فجاع ، وجعل ينظر إِلَى اللحم ويصبر . فلما غلبته نفسُه قال : وأي شيء أعمل باسمي ، وما كلب إلا اسم حسن فأكل .
ولهذا المعنى شبَّه الله عالمَ السُّوء الَّذِي لم ينتفع بعلمه بالكلب ؛ فَقَالَ تعالى : { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } ( 1 ) .
والمُراد بهذا المثل أنَّ من لم يزجره علمُه عن القبيح صار القبيحُ عادة له ، ولم يؤثر فيه علمُه شيئًا ، فيصير حالُه كحال الكلب اللاهث ؛ فإنَّه إنْ طرد لهث وإنْ تُرك لهث ، فالحالتان عنده سواء .
وهذا أخسُّ أحوال الكلب وأبشعها ، فكذلك مَن يرتكب القبائح مع جهله ومع علمه ، فلا يؤثر علمُه شيئًا ؛ ولذلك مثل مَن لا يرتدع عن القبيح بوعظ ولا زجر ولا غيره ، فإنَّ فعل القبيح يصير عادةً ، ولا ينزجر عنه بوعظ ولا تأديب ولا تعليم ؛ بل هو متبعٌ للهوى عَلَى كل حال ، فهذا كل من اتبع هواه ، ولم ينزجر عنه بوعظ ولا غيره .
وسواء كان الهوى المتُبَع داعيًا إِلَى شهوة حسية ، كالزنا والسرقة وشرب الخمر ، أو إِلَى غضب وحقدٍ وكبر وحسد ، أو إِلَى شُبهة مضلة في الدين .
وأشد ذلك حال من اتبع هواه في شبهة مضلة ، ثم من اتبع هواه في غضب وكبر وحقد وحسد ، ثم من اتبع هواه في شهوة حسية .
هامش
( 1 ) الأعراف : 175 - 177 .