فإنَّه تعالى جعل لكل شيء حدًّا ، فجعل للمباح حدًّا وللحرام حدًّا ، وأمر بالاقتصاد عَلَى حد المباح وأنْ لا يتعدى ، ونهى عن قربان حد الحرام .
ومما سمِّي فيه المحرمات حدودًا ، قول النبي : " مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالمُدَاهِنِ ( 1 ) فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اقْتَسَمُوا سَفِينَةٍ . . . " ( 2 ) الحديث المعروف . والمراد بالقائم عَلَى حدود الله : المنكر للمحرمات والناهي عنها .
وفي حديث ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " أَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ ( 3 ) اتَّقُوا النَّارِ ، اتَّقُوا الحُدُودَ - قالها ثلاثا " . خرَّجه الطبراني والبزار ( 4 ) . ومُراده بالحدود : محارم الله ومعاصيه - وقد تطلق الحدود باعتبار العقوبات المقدَّرة الرادعة عن الجرائم المغلَّظة . فيقال : حد الزنا ، حد السرقة ، حد شرب الخمر .
وهو هذا المعروف من اسم الحدود في اصطلاح الفقهاء ؛ ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأسامة : " أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ " ( 5 ) لما شفع في المرأة التي سرقت .
وفي حديث : « أَقِيمُوا الْحُدُودَ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ عَلَى الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ » ( 6 ) .
وقال علي : أقيموا الحدود عَلَى ما ملكت أيمانكم ( 7 ) .
وأمّا قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي بردة : « لاَ تَجْلَدُ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ » ( 8 ) فقد اختلفوا في المراد بالحد هنا : هل هو الحدود المقدَّرة شرعًا ، أم المُراد بالحد ما حدّه الله ونهى عن قربانه ؛ فيدخل فيه سائر
هامش
( 1 ) المداهنة والإدهان كالمصانعة ، وداهن : أظهر خلاف ما أضمر . " اللسان " مادة : ( دهن ) .
( 2 ) أخرجه البخاري ( 2493 ، 2686 ) من حديث النعمان بن بشير .
( 3 ) أصل الحجزة موضع ضد الإزار ، ثم قيل للإزار : حجزة للمجاورة . " اللسان " مادة : ( حجز ) .
( 4 ) أخرجه الطبراني في " الكبير " ( 11 / 10953 ) ، و " الأوسط " ( 2874 ) ، والبزار كما في " كشف
الأستار " ( 3480 ) .
( 5 ) أخرجه البخاري ( 2375 ، 3732 ، 3733 ، 6887 ، 6788 ، 6800 ) ، ومسلم ( 1688 ) .
( 6 ) أخرجه أحمد ( 5 ، 314 ، 316 ، 326 ) .
( 7 ) أخرجه أبو داود ( 4473 ) ، والنسائي في " الكبرى " ( 4 / 304 ) ، أحمد ( 1 / 89 ، 95 ، 145 ) عن
علي مرفوعًا .
( 8 ) أخرجه البخاري ( 6848 ، 864 ، 6850 ) ، ومسلم ( 1708 ) .