تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تلخيص الحبير ( ط العلمية ) — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
وروى عن مسرور الخادم ، قال : لما احتضر هارون أمير المؤمنين ، أمرني أن آتيه بأكفانه ، فأتيته بها ، ثم أمرني فحفرت له قبره ، ثم أمر فحمل إليه ، وجعل يتأمله ويقول : { مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ } [ الحاقة : 28 - 29 ] . ثم أنشد الرافعي لنفسه : الملك لله الذي عنت الوجو . . . ه‍ له وذلت عنده الأرباب متفرد بالملك والسلطان قد . . . خسر الذين تجاذبوه وخابوا دعهم وزعم الملك يوم غرورهم . . . فسيعلمون غداً من الكذاب وقال في قوله صلى الله عليه وسلم : " إنه ليغان على قلبي فاستغفر الله في كل يوم مائة مرة " : مم كان يتوب النبي صلى الله عليه وسلم ؟ وعلى مَ يحمل الغين في قلبه ؟ افترق الناس فيه فرقتين : فرقة أنكرت الحديث ، واستعظمت أن يغان قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يستغفر مما أصابه ، وعلى ذلك جرى أبو نصر السراج ، صاحب كتاب " اللمع " في التصوف ، فروى الحديث ، وقال عقيبه : هذا حديث منكر . وأنكر علماء الحديث استنكار السراج ، وقالوا : الحديث صحيح ، وكان من حقه أن لا يتكلم فيما لا يتعلم . والمصححون له تحزبوا ، فتحرج من تفسيره متحرجون . عن شعبة : سأل الأصمعي : ما معنى " ليغان على قلبي " ؟ فقال : عمن يروى ذلك ؟ قلت : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لو كان من غير قلب النبي صلى الله عليه وسلم فسرته لك ، وأما قلب النبي صلى الله عليه وسلم فلا أدري ، فكان شعبة يتعجب منه . وعن الجنيد : لولا أنه حال النبي صلى الله عليه وسلم لتكلمت فيه ، ولا يتكلم على حال إلا من كان مشرفاً عليها ، وجلت حاله أن يشرف على نهايتها أحد من الخلق وتمنى الصديق رضي الله عنه ، مع علو مرتبته أن يشرف عليها ، فعنه : ليتني شهدت ما استغفر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم . فهذه طريقة المصححين ، وتكلم فيه آخرون على حسب ما انتهى إليه فهمهم ، ولهم منهاجان : حمل الغين على حالة جميلة ومرتبة عالية ، اختص بها النبي صلى الله عليه وسلم ، والمراد من استغفاره خضوعه وإظهار حاجته إلى ربه ، أو ملازمته للعبودية ، ومن هؤلاء من نزل الغين على السكينة والاطمئنان . وعن أبي سعيد الخزاز : الغين : شيء لا يجده إلا الأنبياء وأكابر الأولياء ، لصفاء الأسرار ، وهو كالغين الرقيق الذي لا يدوم . والثاني : حمل الغين على عارض يطرأ ، غيره أكمل منه ، فيبادر إلى الاستغفار إعراضاً ، وعلى هذا كثُرت التنزيلات والتأويلات ، فقد كان سبب الغين النظر في حال الأمة واطلاعه على ما يكون منهم ، فكان يستغفر لهم . وقيل : سببه ما يحتاج إليه من التبليغ ومشاهدة الخلق ، فيستغفر منه ليصل إلى صفاء وقته مع الله . وقيل : ما كان يشغله من تمادي قريش وطغيانهم . وقيل : ما كان يجد في نفسه من محبة إسلام أبي طالب . وقيل : لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مترقياً من رتبة إلى رتبة ، فكلما رقي درجة والتفت إلى ما خلفها وجد منها