تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تلخيص الحبير ( ط العلمية ) — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
إذا زل ، واجتمع له من ذلك القبول التام ، عند الخواص والعوام ، والصيت المنتشر ، والجاه والرفعة . وتولّى تدريس النظامية ببغداد مدة ، محترماً في حريم الخلافة ، مرجوعاً إليه ثم آثر العودة إلى الوطن ، واغتنم الناس رجوعه إليهم ، واستفادتهم من علمه ، وتبركوا بأيامه . وسمع الكثير من الفراوي ، وفهرست مسموعاته متداول ، وكان يعقد المجلس للعامة في الأسبوع ثلاث مرات ، إحداها : صبيحة يوم الجمعة ، فتكلم على عادته يوم الجمعة ، الثاني عشر من المحرم سنة تسعين وخمسمائة في قوله تعالى : { فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ } [ التوبة : 129 ] . وذكر أنها من أواخر ما نزل من القرآن ، وعدد الآيات المنزلة آخراً منها : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ . . . } [ المائدة : 3 ] . ومنها : سورة النصر . وقوله تعالى : { وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ } [ البقرة : 281 ] . وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عاش بعد نزول هذه الآية إلا سبعة أيام ، ولما نزل من المنبر حُم ، وانتقل إلى رحمة اللَّه تعالى في الجمعة الأخرى ، ولم يعش بعد ذلك المجلس إلاَّ سبعة أيام ، وهذا من عجيب الاتفاقات . وكأنه أُعْلِمَ بالحال ، وبأنه حان وقت الارتحال ، ودُفن يوم السبت ولقد خرجت من الدار بكرة ذلك اليوم ، وأنا في شأنه متفكر ، ومما أصابه منكسر ، إذ وقع في خلدي من غير نية ، وفكر وروية : بكت العلوم بويلها وعويلها . . . لوفاة أحمدها بن إسماعيلها كأن احداً يكلمني بذلك . وكانت ولادته سنة : ائنتي عشرة وخمسمائة ، وهو مع كونه خال والدتي ، أبوها من الرضاع أيضاً " . قال : " وابنها " المملي لهذه " الأمالي " - يعني الرافعي نفسه - : لا يخرج عن زمرة أهل العلم ، ويحشر فيهم إن شاء الله تعالى ، وكذا سائر بنيها " . قال : " ثم هي - يعني والدته - في نفسها متدينة خائفة ، وبما لا بد منه من الفروض عارفة ، قارئة لكتاب الله ، كثيرة الخير ، رقيقة القلب ، سليمة الجانب ، تحمل الكل ، وترغب في المعروف ، وتحسن إلى اليتامى ، تلي خيراً ، وتولي جميلاً ما استطاعت إليهما سبيلاً . وكانت قد ابتليت بعدة بنات ، أنفقت واسطة العمر عليهن ، حتى استكملن من أدبهن ، مضين لسبيلهن فتركنها ثكلى بهن ، وللَّه ما أخذ ، وله ما أعطى ، ولا راد لما حكم وقضى " .
تلخيص الحبير ( ط العلمية ) — صفحة 64 | ابن حجر العسقلاني