تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 421

مساهمون:

ص٤٢١
الله عليه وسلم : ولا يضيق صدرك بسبب إنكارهم لقولك ودينك فإنهم إن خالفوك فالأكابر من الأنبياء موافقوك ، قلت : وهذا أضعف من الأول ، لأنه ، عليه الصلاة والسلام إنما يأنس بمصداقية من أمته ، وأيضاً فقد كان ذكر إبراهيم لو قصد هذا الغرض من الموافقة أنسب لتعظيم العرب إياه وللاتفاق عليه ولعظم خلته ، وذكر وجه ثالثاً وهو أن الخصمين الذين دخلا على داود ، عليه السلام ، كانا من البشر ، وإنما دخل عليه بقصد قتله ، فخاف داود ومع ذلك لم يتعرض لإيذاهما ولا دعى عليهما بل استغفر لهما ، فأمر نبيا عليه السلام أن يقتضي به في حسن الخلق . قلت : وهذا ضعيف كالذي قبله ، وذكر الأمام أبو الفضل غير هذه الوجوه مما دون هذه في القوة ثم أعقب هذا بأن قال : ولي هنا وجه آخر أقوى وأحسن من كل ما تقدم ، ثم أعتمد في هذا التوجيه على أن قوله تعالى : ( وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ) ليس مما تقدمهم ، وإنما هو وجه اتصاله به ، وأن العقلاء قالوا من ابتلي بخصم جاهل مقر متعصب وراءه قد خاض في التعصب والاقرار وجب عليه أن يقطع الكلام معه في ( تلك ) المسئلة ، لأنه كلما كان خوضه في تقريره أكثر كان بعده عن القبول أشد ، فالوجه حين إذ أن يقطع الكلام معه في تلك المسئلة ، وأن يؤخد في كلام آخر أجنبي عن المسئلة الأولى ( بالكلية ، ويطنب في ذلك الكلام الأجنبي ، فإذا اشتغل خاطره بهذا الكلام الأجنبي ونسي تلك المسئل الأولى ) أدرك له أثناء الكلام في هذا الفصل الأجنبي مقدمة تناسب ذلك المطلوب الأول ، فيحصل عن ذلك تسليم المتعصب لهذه المقدمة ، لذا أسلمها فحين إذ يتمسك بها في ( ثبات ) المطلوب الأول ، فيتمكن من إنقيادة ويرجى رجوعه إلى ما طلب به أولاً ، هذا معنى ما أرده أبو الفضل في هذا الفصل ، ثم أشار إلى أن المدرج في هذا الكلام من المقدمة المناسبة إلى المطلب الأول لقوله تعالى : ( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ) ( ص : 27 ) ، إلى قوله : ( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ) ( ص : 29 ) قلت : وعندي أن ما ذكره من هذا وأن العقلاء قالوه ، إن كانت العرب تفعله ويعرف من كلامها ارتكابه فإن ما يكون - والله أعلم - على أوضح وأنسب مما ذكره ، والذي أراه جارياً على هذا المنهج الذي آراه - والله أعلم - قوله تعالى : ( ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ( 1 ) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ ( 2 ) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ) ( ق : 1 - 3 ) فهذا إنكار منهم للبعث الأخراوي واستبعاد ، وهو نحو من الوارد في سورة ص ، فأعقب تعالى ذلك بقوله مما يشبه الالتفات ، وهو الذي زعم أبو الفضل أن العقلاء يرتكبونه عن لوز الخصم والأخذ فيما هو كالأجنبي ، فقال تعالى : ( أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا
ملاك التأويل — صفحة 421 | أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي / عبد الغني محمد علي الفاسي