تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 418

مساهمون:

ص٤١٨
( بتضييع ) نظره واعتباره على الاستيفاء ) ، فذكر طرفان ليحصل حصر من بينهما أمة ممن تقدم وهم قوم نوح وأمة ممن تأخر وهم أصحاب الرس ، ليحصل ما بينهما بإشارة الطرفين كما قال سبحانه في سورة الفرقان : ( وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا ) ( الفرقان : 38 ) ، وهذه الآية وآية ق مشيرتان إلى تأخير أصحاب الرس عن كل من ذكر في الفرقان من الأمم المهلكين بتكذيبهم ممن عين ذكره ، والله أعلم . وقد اختلف المفسرون في أصحاب الرس ، والواقع في مختلف أقوالهم في ذلك ثمانية أقوال ، ومن جملتها أنهم أصحاب الأخدود ، وقيل كانوا قوماً قتلوا نبيهم ورموه في بئر لهم ، زاد بعضهم أنه كان اسم نبيهم حنظلة ، وقيل هم من قوم شعيب ، عليه السلام ، وقيل غير ذلك ، والمقطوع به ما نطق به القرآن من وجود قرون كثيرة بين قوم نوح وأصحاب الرس ، ويظهر من هذا الوارد في سورة ق أن مقصود الآية من استيفاء القرون المأخوذين بتكذيبهم غير وارد في غيرها ، ألا ترى أنه قد أفصح فيها بثمانية قرون منصوص عليها ، وهم قوم نوح ، وأصحاب الرس ، وثمود ، وعاد ، وفرعون ، وأخوان لوط ، وأصحاب الأيكة ، وقوم تبع والمراد هو وقومه ، ولم يرد في أوفى المتكرر من الكتاب العزيز غير سبعة . والأكثر ستة ، فدل على قصد الاستيفاء في هذه السورة على كل حال ، فقد ورد قوم نوح وأصحاب الرس طرفين لمن بينهما من القرون ، ومقصود بهما - والله أعلم - استيفاء ما بينهما ، إشعاراً ، ( في هذه الورة وإفصاحاً بكثرة من بيمهما بقوله في سورة الفرقان ( وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا ) ( الفرقان : 38 ) . وأما الوارد بعد الطرفين في سورة ق من ذكر ثمود وعاد ومن ذكر بعد ، فقد يكون - والله أعلم - من قبيل ما ورد في القرآن ممن شمله لفظ متقبل غير مصرح ثم نص عليه اعتناء واهتمام مع كونه قد ضمه ذلك اللفظ المتقدم ، كقوله تعالى : ( وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ ) ( البقرة : 98 ) بعد دخولها تحت لفظ الملائكة ، وعلى كل حال فأصحاب الرس متأخرون عن قرون كثيرة بعد قوم نوح بنص القرآن ، والله سبحانه أعلم . فلما ورد هنا ما يشير إلى الاستيفاء بالاعتبار بهم جرياً مع ما تقدم من استيفاء الاعتبار بعجائب الأرض والسماء قدم ما يحصل بتقديمه ما أشير إليه من الاستيفاء ، ولم يكن القصد هنا ما قصد في آية ص ، فجاء كل على ما يجب ، والله أعلم . وأما المعقب به كل واحدة من الآيتين من قوله في سورة ص : ( إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ ) ( ص : 14 ) ، وقوله بعد آية ق : ( فَحَقَّ وَعِيدِ ) ( ق : 14 ) ، مراعي في