ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ ) ( الروم : 22 ) ، فوضح تناسب هذا الختام ، ولاح التلاحم والالتئام .
ولما كان أمر الليل والنهار منصوصاً على رحمة الخلائق بهما في عدة آيات بقوله تعالى : ( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ) ( الإسراء : 12 ) ، وقوله : ( اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا ) ( غافر : 61 ) ، وقوله : ( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ) ( النبأ : 10 - 11 ) ، إلى غير هذه من الآيات ، فتحصل من مجموعها وفاء الاعتبار بهما وما فيهما ، ومستند ذلك المحرك للاعتبار به السماع والأخبار الواردة به أعقب بقوله : ( لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ) ( الروم : 23 ) .
وأما إراءته سبحانه البرق خوفاً وطمعاً ، وإنزال الماء من السماء ، وإحياء الأرض بعد موتها ، فلا تحصل ثمرة الاعتبار به إلا لمن أطال الاعتبار وأمعن النظر وبالغ في ذلك ، ولما كان حصول الثمرة المطلوبة هنا يتوقف على ما ذكر أعقب بقوله : ( لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) .
الآية الثالثة من سورة الروم - قوله تعالى : ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) ( الروم : 37 ) ، وفي سورة الزمر : ( أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ) ( الزمر : 52 ) ، ففي آية الروم : ( أَوَلَمْ يَرَوْا ) وفي الأخرى : ( أَوَلَمْ يَعْلَمُوا ) ، فللسائل أن يسأل عن الفرق ؟
والجواب ، والله أعلم : أن سورة الروم لما تقدم فيها قوله تعالى : ( أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ) ( الروم : 8 ) ، وقوله تعالى : ( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) ( الروم : 9 ) ، والتفكر تردد نظر ومباثه واعتبار ، والنظر المحال عليه فيما حضوا عليه من سيرهم في الأرض إنما هو استعلام وبحث واعتبار بحال من تقدمهم ، ناسب ذلك قوله تعالى : ( أَوَلَمْ يَرَوْا ) ، لأن قول القائل منا لغيره : ما ترى في هذا الأمر ؟ إنما يريد ابحث عما يتردد في خاطرك ويختلج في فكرك وعرفني بما يظهر لك وتختاره ، وكذا قول القائل : افعل في هذه القضية بما أراك الله ، إنما يريد اجتهد وامض فيها من المتردد في خاطرك ما تراه أولى ، والحاصل من الرأي هنا في مثل هذا غالب ظن وليس بعلم لإمكان الخطأ فيما يراه ، إذ لسنا بمعصومين ، ولو فرضنا العصمة لكان الحاصل علماً ، وفي كتاب الله سبحانه قوله لنبيه صلى الله عليه وسلم : فاحكم بينهم بما أراك الله ، وإنما أحيل ، عليه السلام ، على اجتهاده والاعتبار بما لديه من الوحي وما أنزل عليه ، إلا أنه ، عليه لاسلام ، على اجتهاده والاعتبار بما لديه من الوحي وما أنزل عليه ، إلا أنه ، عليه السلام ، مكتنف بالعصمة والحفظ من الخطأ والغلط فيما يراه مما يرجع إلى التبليغ وتقعيد أحكام شريعته ، فالحاصل
ملاك التأويل — صفحة 399
مساهمون: أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي
ص٣٩٩