تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
فيما هو منها ومرتبط بمعناها : ( ( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ) ( فاطر : 44 ) فأخذتهم يا محمد بتكذيبهم وكفرهم ، ولم يفت منهم أحد لأني عليم بأحوالهم القدير الذي لا يعجز في شيء ولا يفوتني هارب ، وتأمل التحام هذا كله وتناسبه وكيف تم الاختبار وكمل انتهاء وابتداء ، وتأمل كيف وقع الاكتفاء في آية الاعتبار بالإيمان إلى أخذهم بقوله : ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ) ( فاطر : 44 ) إحالة على ما تقدم في إخبار نبيه ، عليه السلام ، بأخذهم في قوله : ( ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) ( فاطر : 26 ) ، والتحم هذا كله وتناسب . وأما الآية الأولى من سورة غافر فوردت على الجمع بين التنبيه للاعتبار بمن تقدم وبين أخذهم ، ولم يرد فيها التفصيل الوارد فيما تقدم ، فقال تعالى : ( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ) ( غافر : 21 ) ، ثم اتبع الآية بما يؤكد أخذهم ، وذكرت العلة في ذلك من كفرهم ، واجتمع في هذه الآية ما افترق في غيرها فقال تعالى : ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) ( غافر : 22 ) ، فتحصل منها التعريف بأخذهم وذكر العلة الموجبة لذلك من تكذيبهم وكفرهم متصلاً ذلك كله بعضه ببعض ، ولم تجر هذه الآية في التلطف في الدعاء والتنبيه على ما جرت نظائرها مما تقدم ونبه عليه ، وسبب ذلك أنه تقدم في أول هذه السروة من الإخبار بسوء مراجعتهم وقبيح معاملتهم مع أنبيائهم ما يوجب سريع الأخذ وينافر التلطف ، وذلك قوله تعالى : ( كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ ) ( غافر : 5 ) ، فلما تقدم هذا من جوابهم بالباطل وما هموا به من أخذ رسلهم وامتحانهم زائداً إلى التكذيب ناسب هذا تعجيل أخذهم ، فوردت آية التنبيه على ذلك ، ولهذا اختصت من التأكد ما لم يرد مثله فيما تقدمها : ( كَانُوا هُمْ أَشَدَّ ) ، فوكد بالضمير تخصيصاً وتعييناً للمذكورين قبل من قوم نوح والأحزاب ، ثم اتبع ذلك بقوله في قراءة ابن عامر بتخصيص من وعظ بذلك وخوطب فقيل : ( منكم ) ، فتقابل التأكيد في الطرفين تأكيداً يناسب ما بنيت عليه الآية ويشهد له ، ولرعي ما تقدم من السبب الأول وردت الآية الأخيرة من قوله في آخر السورة : ( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ . . . ) ( غافر : 82 ) إلى قوله : ( فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) ( غافر : 82 ) ، ثم أعقب هذا بقوله : ( لَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ) ( غافر : 83 ) إشارة إلى ما كانوا يظنونه علماً ويجادلون به من قولهم :