تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 400

مساهمون:

ص٤٠٠
عن نظره صلى الله عليه وسلم وما يراه علم ، وأنا عن نظر غيره ممن ليس بمعصوم فظن كما تقدم . ولفظ رأى يصلح في الحالين ، ويقع بالاشتراك على المعنيين وعلى الإبصار ، فناسب لتردد لفظه بين هذه المعاني ، وإن كان في سورة الروم يراد به العلم ، ما تقدم في السورتين قوله : ( أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ) وقوله : ( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ) لجامع التردد حاصل في المتواطئ بلحظ التشخص ، فوضح التناسب . وأما سورة الزمر فلم يتقدم ( بها ما تقدم ) في سورة الروم مما يستدعي ذلك التناسب ، فجيء بقوله : ( أَوَلَمْ يَعْلَمُوا ) ، فطوبق باللفظ المعنى من حيث لا تردد فيهما ولا اشتراك ، وأيضاً فقد تقدم في هذه السورة قوله تعالى : ( فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا ) ( الزمر : 2 ) وقوله : ( قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا ) ( الزمر : 11 ) وقوله : ( قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي ) ( الزمر : 14 ) ، والإخلاص مسبب عن العلم ، وهو ثمرته ، أعني ثمرة العلم ، فناسب هذا قوله : ( أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ) ( الزمر : 52 ) ، فإنهم تسبب عن علمهم الإخلاص إن سبقت سابقة سعادة ، فناسب هذا أتم مناسبة ، فهذا وجه ثان من الجواب ، وكأنه مما قدم فيه المسبب وهو الإخلاص بين يدي سببه وهو العلم ، ووضح على هذا أن ما ورد هنا لم يكن ليناسب ما في سورة الروم ، ولا ما ورد في سورة الروم ليناسب ما في سورة الزمر ، والله أعلم . الآية الرابعة من سورة الروم قوله تعالى : ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ) ( الروم : 43 ) ، وفي سورة الشورى قوله تعالى : ( اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ ) ( الشورى : 47 ) ، للسائل أن يسأل عن وجه اختلاف ما وقع به الاتباع في الآيتين فقيل في الأولى : ( يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ) وفي الثانية : ( مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ ) ؟ والجواب عن ذلك ، والله أعلم : أن آية الروم إنما أعقبت بقوله : ( يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ) تمهيداً لما اتصل بها من تفصيل الأحوال في قوله : ( مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ) ( الروم : 44 ) ، لأن تصدعهم يراد به افتراقهم كما في قوله تعالى : ( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ) ( الروم : 14 ) ، فالمراد يومئذ يصدعون إلى ما أعد لكل منهم بحسب مرتكبه وحاله في كفره وإيمانه ، وقد تضمن قوله : ( فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ) جزاؤه ، وأشار إلى تفصيل أحوالهم في عذابهم كل بحسب مرتكبه : ( جَزَاءً وِفَاقًا ) ( النبأ :