تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 401

مساهمون:

ص٤٠١
26 ) ، وكان الكلام في قوة أن لو قيل : فعليه مطابق كفره من العذاب ، وكذلك تضمن قوله في الناجين : ( وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ) من تفصيل الأحوال في الثواب كل بحسب ما مهد لنفسه كما في قوله : ( إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) ( الطور : 16 ) ، فعبر عن ذلك بأوجز عبارة وأوفاها بالمقصود ، وقدمت الإشارة إلى ذلك التفصيل في الطرفين بقوله : ( يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ) . وأما آية الشورى فإنه تقدم قبلها قوله تعالى : ( وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ ) ( الشورى : 44 ) ، والولي من يرجع إليه انضواء واعتماداً ، ثم قال تعالى مخبراً عن الظالمين في نفي الولي والنصير عنهم : ( وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ ) ( الشورى : 46 ) ، فلما نفى عنهم الأولياء الناصرين والسبيل إلى التخلص ناسب ذلك أمره تعالى العباد بالاستجابة له فقال : ( اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ) ( الشورى : 47 ) أي أنه آت لا محالة : ( مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ ) أي من ولي ترجعون إليه أو يدفع عنكم ، ( وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ ) أي إنكار ، فلا تعلق لكم ولا ينفعكم إنكاركم إن تعلقتم ، فحذر تعالى عباده من حال الظالمين في عدم الولي والناصر ، وأمرهم بالاستجابة قبل التورط وانقطاع الطمع والرجاء في التخلص ، وعدم جدوى الإنكار لمن ظن التعلق به ، فحذرهم مما امتحن به غيرهم بعد ذكر حال من امتحن ، فناسب ذلك لكه أوضح تناسب . الآية الخامسة من سورة الروم - قوله تعالى : ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ) ( الروم : 46 ) وفي سورة الجاثية : ( اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ) ( الجاثية : 12 ) ، للسائل أن يسأل عن زيادة ( فيه ) في سورة الجاثية وكونه لم يثبت في سورة الروم ؟ والجواب ، أن هذا لا إشكال فيه ، لأن البحر لم يجر له ذكر في آية الروم ، فلم يكن للضمير ما يرجع إليه ، فلم يؤت به بهذا ، ولو قصد محل جري الفلك ألزم الإتيان بالظاهر ( ولقيل ) : ولتجري الفلك في البحر ، وهو مفهوم من السياق ، فلم يحتج إليه هناك . أما آية الجاثية فإنه لما قدم فيها ذكر البحر جيء بالضمير المجرور العائد إليه على ما ينبغي ، وكان له مفسراً ، فحسن الإتيان به بخلاف آية الروم ، فالفرق بينهما لا خفاء به .