سورة بني إسرائيل ( الإسراء )
الآية الأولى قوله تعالى : ( وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا ) ( الإسراء : 41 ) ، وفيما بعد : ( وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا ) ( الإسراء : 89 ) ، وفي الكهف : ( وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ) ( الكهف : 54 ) ، ففي الأولى : ( وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ ) ، وفي الثانية : ( لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ ) ، وفي الثالثة : بتأخير الناس ، يسأل عن ذلك ؟
والجواب عنه ، والله أعلم : أن الأولى وقع قبلها : ( أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا ) ( الإسراء : 40 ) ، وهذا خطاب مراد به كفار العرب ، فلم يذكر فيه لفظ الناس العام لهم ولغيرهم ، إذ الخطاب خاص بهم .
وأما الآية الثانية فقبلها : ( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ) ( الإسراء : 88 ) ، ثم قال تعالى : ( وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ ) ( الإسراء : 89 ) ، فخض الفريقين وعين ممن ذكر الناس اعتناء بهم ، أعني بالجنس الإنساني ، ليظهر شرفهم على الجن ، وقدم الناس لما يعطيه تقديم المجرور ، وقد مر هذا ، وأيضاً فلثقل التكرر فيما تقارب ، ولو قيل : ولقد صّرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل فأبي أكثر الناس إلا كفوراً لجاء لفظ الناس كأنه قد أعيد متصلاً ، والعرب تستثقل مثل هذا ، فقدم المجرور ليستحكم الفصل فلا يستثقل .
وأما آية الكهف فلم يتكرر فيها لفظ الناس فيقع استثقال ، فقدم قوله : ( فِي هَذَا الْقُرْآنِ ) ( الكهف : 54 ) ، لأن تقديمة أهم ، إذ هو أبلغ في تنبيههم على الاعتبار . وقد مر قول سيبويه في مثل هذا ( صفحة 256 و 287 ) .
وأما آية الكهف فلم يقع قبلها ذكر الثقلين معاً فيحتاج إلى ذكر تقديم الناس كما احتيج في آية الإسراء ، ألا ترى أن فصل آية الكهف : ( وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ ) ( الككهف : 52 ) الآية ، فلم يرد فيها ما في الأخرى ، وكان الأهم ذكر القرآن الشافي لمعتبر ما صُرف فيه من الأمثال . فقيل : ( وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ