صلى الله عليه وسلم تأنيسه ، مالآية في قوله تأنيساً للأمة وإعلاماً بعظيم مكانته صلى الله عليه وسلم : ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ) ( التوبة : 128 ) فهذا - والله أعلم - فصل ما بين الآيتين ، وقد بان فيه التناسب ، وجلالة النظم ، وحسن الالتئام ، والله أعلم بما أراد .
فصل : لم يتعرض لهذه الآية أكثر المفسرين ، ومن تعرض منهم لها ألحقها بالأول ، وقد وقفت في التفسير الكبير المنسوب للإمام أبي الفضل بن الخطيب ، وقد تعرض لهذه الآية فأورد مأخذ الإمامية بأن كل عصر لا يخلو من إمام معصوم ، وذكر تخريج الآية عندهم ، ثم محله ، واتبع بأن قال : فثبت أنه لابد في كل عصر من أقوام تقوم الحجة بقولهم ، ثم حكى عن أبي بكر الأصم أن المراد بالشهيد هو أنه تعالى ينطق عشرة من أجزاء الإنسان تشهد عليه ، وهي : الأذنان والعينان والرجلان واليدان والجلد واللسان ، قال والتدليل عليه أنه قال في صفة الشهيد : أنه من أنفسهم ، وهذه الأعضاء لا شك أنها من أنفسهم وذكر أن القاضي أجاب عن هذا من وجوه : الأول أنه تعالى قال : ( شهيد ) ) فيجب أن يكون غيرهم ، والثاني أنه من كل أمة فوجب أن يكون ذلك الشهيد من الأمة وآحاد الأعضاء لا يصح وصفها بأنه من الأمة ، هذا حاصل ما وقع في هذا التفسير ، ولم يقع فيه تعرض لشيء من ألفاظ الآية ، وتنزيل هذه المآخذ على الآية ، وأخذها من أبعد شيء ، وقد ذكرت في ذلك منزلاً عن الآية ما أراه الأولى في المراد بها ، والله أعلم .
وأما قول الإمامية : إنه لا بد في كل عصر وقرن من إمام معصوم يشهد عليها في القيامة فباطل ، وقد كفانا وجه فساده من تقدم ، وقول الأصم بعيد لما قاله القاضي ، وأما ما اعتمده أبو الفضل فبعيد أيضاً ، فيه ما يشبه الصغو إلى قول الإمامية ، وقد ورد في الصحيح أن الرسل هم الذين يشهدون على أممهم ، وعلى ذلك حمل المفسرون قوله تعالى : ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ) ( النساء : 41 ) ، ولا فرق بين هذه الآي ، والله أعلم .
الآية الرابعة عشر وهي من تمام ما قبلها : غ - قوله تعالى : ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) ( النحل : 89 ) ، وفيما بعد من هذه السورة : ( قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) ( النحل : 102 ) ، فورد في الأولى زيادة ( رحمة ) مع اتحاد المقصود في الموضعين من وصف الكتاب ، وهذا يظاهر الوارد في الموضعين ، فيسأل عن ذلك ؟
ملاك التأويل — صفحة 308
مساهمون: أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي
ص٣٠٨