تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
ومن أهل النظر من يطلق العموم بمعنى منع الشركة ، والذي لا يقول هذا لا يمكنه إنكار الإبهام الإطلاقي وكيفما قيل فإن معنى التوسعة لا يفارقها ، وليست ( ( الذي ) كذلك ، فكانت ( ( ما ) ) أملك بالمعنى المقصود في الموضع ، ثم ناسبها وجرى معها ورودها في قوله : ( بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) ، ولم تكن ( ( الذي ) ) لتناسب فجاء كل على ما يجب . وقوله في الآية الثانية : ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى ) ( النحل : 97 ) ، الآية جارية مجرى الآية التي قبلها ، و ( ( من ) ) أقرب لها من ( ( الذي ) ) لما بينهما من الاشتراك في المعاني التي لا تشاركها فيها ( ( الذي ) ) ، ألا ترى أن ( ( الذي ) ) لا تكون استفهاماً البتة ، ولا نكرة موصوفة ولا مبهمة ، إذ لا يفارقها التعريف . فإن قلت قد يدخلها معنى الشرط في نحو قوله : الذي يأتيني فله درهم ، وهو المسوغ لدخول الفاء في خبرها في مثل هذا المثال ففيها إذ ذاك عموم . قلت ذلك متوقف على شروط معلومة ، ولو لم يتوقف ذلك على شرط لبقي اشتراك فيما لا تدخل فيه ( ( الذي ) ) . فمن على كل حال أجري مع ما يناسبها وما انجر معها من تقوية قصد الاستغراق من قوله : ( مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى ) ، وهذا المنجر في هذه الآية يقابل تكرار ما في الآية قبل ، هذه كتلك بهذا النظير من غير فرق ، فلم يكن ليناسب ذلك ورود ( ( الذي ) ) مكان ( ( ما ) ) في قوله : ( بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) ، فتناسب هذا كله أوضح شيء ، ولا يمكن في هاتين الآيتين ورود لفظ ( ( الذي ) ) مكان ( ( ما ) ) لمن لحظ المراعى في الآية من عليّ ، نظم الكتاب العزيز ، واعتبر التناسب الذي يعجز البشر عن محافظه رعية ، ولا يمكن الوفاء به بوجه إلا في كتاب الله سبحانه . وأما آية الزمر فوارده في معنى الخصوص المقصود به طائفة بعينها ألا ترى ما قبلها من قوله تعالى : ( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ) ( الزمر : 33 ) ، والمراد بالذي جاء بالصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولاذي صدق به متقدمو أصحابه ممن سبق وحسن تصديقه كأبي بكر ، رضي الله عنه ، ومن قارب حاله وجرى في ( نحو ) مضماره ، وهؤلاء مخصوصون لا يشاركهم في حالهم غيرهم ، وفيهم ورد ما بعد ، وإليهم ترجع الضمائر من قوله : ( هُمُ الْمُتَّقُونَ ) ، وقوله : ( لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) ( الزمر : 34 ) ، وقوله : ( لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ ) ( الزمر : 35 ) ، فلم يكن ليصلح هنا غير الأداة العهدية ، فجاء ( ( بالذي ) ) في الموضعين من قوله : ( لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ) ( الزمر : 35 ) ، ولم تكن ( ( ما ) ) لتناسب هنا لما تقدم ، فجاء كل على ما يجب ويناسب ، ولا يمكن فيه عكس الوارد في الضربين على ما تقدم ، والله سبحانه أعلم .