كُلِّ مَثَلٍ ) ( الكهف : 54 ) ، ولكون الخطاب عاماً في الإنسان لم يكن بد من ذكر الناس ، بخلاف الآية الأولى من سورة الإسراء ، إذ خطابها خاص بالقائلين من كفار العرب : إن الملائكة بنات الله ، تعالى ( الله ) عن ذلك علواً كبيراً ، فقد ورد كل من هذه الآيات على ما يناسب ويلائم ما اتصل به .
وأما ختام الأولى بقوله : ( وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا ) ( الإسراء : 41 ) فالضمير للمذكورين ممن خص بمقصود الخطاب المكنى عنهم بقوله : ( لِيَذَّكَّرُوا ) ، وأما أعقاب الثانية بقوله : ( فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا ) ( الإسراء : 89 ) فلتعطي إعادة الظاهر من التعنيف والتقريع ما لا يعطيه المضمر ، ولأن أول الخطاب وصدر الآية لما قدم فيه ذكر الناس لشرف الجنس الإنساني على الجن ، ثم لم يكن ممن لم يؤمن إلا العناد ، قيل : ( فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ ) ليعطي بفحواه أن كأن قد قيل : فأبى أكثر الناس على تشريفهم وتفضيلنا إياهم إلا الكفر ، فأحرز الظاهر مالم يكن ليحرزه إضمارهم ، فتأمل ذلك .
وأما قوله عقب آية الكهف : ( وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ) ( الكهف : 54 ) فمن المعلوم جدال كل فرد ومعاند عن دينه ومذهبه ، قال تعالى : ( يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ ) ( الأنفال : 6 ) ، وقال تعالى : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ ) ( غافر : 69 ) ، وإذا كان الجدال من صفة كل مخالف في مذهب أو معتقد لم يبق السؤال هنا إلا عن وجه تخصيص هذه الآية بوصف الإنسان هنا بالجدل ؟ والجواب أنه وصف هنا بذلك ليكون ختام هذه الآية هذه الآية تمهيداً لما سيأتي بعده من قوله تعالى : ( وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ ) ( الكهف : 56 ) ، فلما بني هذا على الآية ، واتصل الكلام والتحم نوسب بينهما ، وليس في الآيتين قبل ، ولا فيما تقدم كل واحدة منهما ، ( وفيما بني عليهما ، ما يستدعي ذكر الجدل ولا الوصف به ، فلذلك أعقبت كل واحدة منهما بما تقدم ، فأعقبت الأولى بقوله تعالى : ( وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا ) لما بين من استدعاء الآية ذلك ، وأعقبت الثانية بقوله : ( فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا ) لما بين أيضاً عند ذكر ذلك ، وأعقبت هذه الأخرى بما يناسب ما ورد عليه بعده ، وجاء كل على ما يجب .
الآية الثانية قوله تعالى : ( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا ) ( الإسراء : 56 ) ، وفي سورة سبأ : ( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ) ( سبأ : 22 ) ، للسائل أن يسأل عن الوجه في ورود اسم الجلالة مضمراً في قوله : ( مِنْ دُونِهِ ) في سورة الإسار ، ومظهراً في قوله : ( مِنْ دُونِ اللَّهِ ) في السورة الأخرى وهل كان يجوز العكس ؟
ملاك التأويل — صفحة 312
مساهمون: أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي
ص٣١٢