75 ) ، ( ثم ) قال بعد : ( وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا ) ( الإسراء : 86 ) ، للسائل أن يسأل عن وجه ختم الآية الأولى بقوله : ( لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا ) ، والثانية بقوله : ( ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا ) ، والثالثة بقوله : ( ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ) ، والرابعة بقوله : ( ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا ) ؟
والجواب : أن معنى كل آية منها استدعى تعقيبها بما به أعقبت ، فأما الأولى فلما تقدمها قوله تعالى : ( وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ) ( الإسراء : 67 ، أي اضمحل تعلقكم بشيء من أندادكم ومعبوداتكم سواه ، وبطل ذلك ، ولجأتم إليه سبحانه ، كما قال في آية أخرى : ( ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ) ( النحل : 53 ) ، فلما دعوتموه ونجاكم إلى البر أعرضتم ورجعتم إلى ما كنتم قبل من شرككم ( وظنكم ) أن قد أمنتم عذابه ، أفأمنتم عذابه ( أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ ) ( الإسراء : 68 ) أي يقلب بكم جانب البر ، وهو الذي حملكم وأقلكم عند انفصالكم من البحر ، ونجاتكم منه ، وذلك جانب من البر إذ ليس البر كله هو المستقل بهم إذ ذاك ، وإنما هم في قطعة من البر وجانب من الأرض ، والأرض كلها لله سبحانه ، أفأمنتم أخذه سبحانه لكم بالخسف وإرسال حاصب من الريح ( وهي الرييح الشديدة ) ، ترميكم بالحصباء حتى تهلككم رجماً ، ثم لا تجدوا إذ ذاك من يتوكل بصرف ذلك عنكم ودفعه عن إهلاككم ، فيتدارككم المتوكل لكم بدفع ذلك وصرفه عنكم ، فتحصلون في حزب الناجين بعد مشاهدة الهلاك ، هل تجدون براً ، فهذا تقدير دافع قبل الإمضاء . ثم قال : ( ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا ) ( الإسراء : 69 ) ، أي مطالباً يطلبنا بثأركم بعد إهلاككم بغرقكم ، فلما كان القدر تعلقهم به من بعد الموت والتلف بالإغراق ناسب ذلك ولاءنه تسمية هذا المقدر الطالب تبيعاً ، ولأنه يتبع بعد الموت ، كما يسمى طلب ذمة ( من مات ) تبعاً واتباعاً ، ومنه ( فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ) ( القرة : 178 ) ، والتابع من يجيء بعد . ولما كان المقدر في الآية الأولى دافعاً قبل الفوت ( ومانعاً ) دون الاستئصال ناسبه العبارة : ( بوكيل ) لأنه الذي يدفع ويمنع الوصول أو الاستئصال ، فجاء كل على ما يجب ، ولم ين ليلائم ختام هذه الآية ختام تلك ولا ختام تلك ما ختمت به هذه وأما قوله : ( إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ) ( الإسراء : 75 ) فالمراد
ملاك التأويل — صفحة 314
مساهمون: أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي
ص٣١٤