تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
أما آية الرعد فلم يعرض فيها ما يحمل على ما ذكر من التناسب فجاءت من حيث أفردت على ما يجب من تقديم النفع الذي هو مطلب العاقل ، وكأن قد قيل فيها : إذا لم ينفعوا أنفسهم فكيف ينفعونكم ؟ ثم أتبع بما يكمل به التعريف بحال ( من ) اتخذوهم أولياء من أنها لا تضر ولا تنفع ، فجاء كل على ما يجب ويناسب ، ولا يمكن خلافه . فإن قلت : إذا كان تقديم النفع - كما في سورة الرعد - وارداً على ما يجب من ( حيث ) هو الذي تطلبه نفوس العقلاء فلم بنيت تلك ( الجمل ) المعطوفات في آية سورة الفرقان على تأخير الأشرف في تلك المتقابلات حتى لزم أن يتقدم فيها الضر ( قبل ) النفع ليتناسب ؟ وهلا كان بناؤها على عكس ذلك وكان يحسن التقابل ( وورود النفع قبل الضر ) كما في آية الرعد ؟ قلت : لما تقدم قبل الجمل المذكورة في سورة الفرقان قوله سبحانه : ( وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ) ( الفرقان : 2 ) ، ناسب هذا من ذكر آلهتهم وصفها بأنها لا تخلق فقيل : ( وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ) ( الفرقان : 3 ) ، ليحصل من وصفه سبحانه بأنه خالق كل شيء وأن آلهتهم لا تخلق شيئاً ما أفصح به من توبيخهم وتقريعهم في قوله تعالى : ( أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ) ( النحل : 17 ) ، وتناسب هذا أوضح تناسب وأبينه ، ولا يمكن خلافه ، ثم بني عليه ما بعده لتناسب ذلك كله ، وحصل منه أن الوارد في كل من السورتين لا يمكن فيه العكس بوجه ، ولابنا سبحانه أعلم بما أراد . الآية الخامسة من سورة الرعد قوله تعالى : ( اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) ( الرعد : 26 ) ، وفي سورة القصص : ( وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا ) ( القصص : 82 ) ، وفي سورة العنكبوت : ( اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) ( العنكبوت : 62 ) ، وفي سورة سبأ : ( قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ) ( سبأ : 39 ) ، وفي الشورى : ( لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) ( الشورى : 12 ) ، للسائل أن يقول : إن هذه الآيات الخمس قد انطوت مطابقة على معنى واحد هو إخباره سبحانه بأنه المنفرد بالقبض والبسط ، كما أنفرد بالخلق والأمر ، فإذا اجتمعت في هذا المعنى فما وجه انفراد آية القصص وآية سبأ بزيادة ما ورد فيهما من التخصيص في قوله : ( مِنْ عِبَادِهِ ) وقوله : ( ( له ) ) ؟ ولِمَ لَمْ يرد ذلك في السورة الأخرى ؟ والجواب عنه ، والله أعلم : أن آية العنكبوت لما تقدم قبلها في قصة إبراهيم ، عليه السلام ، قوله لقومه : ( إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ
ملاك التأويل — صفحة 280 | أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي / عبد الغني محمد علي الفاسي