تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
جميع المفسرين ممن تقدم أو تأخر ، وخالف ما يعترف كل ذي عقل سليم بإمكانه ، وقد تبين تنزيل النظم عليه على أكمل تلاؤم ، والله أعلم بما أراد . الآية الثانية من سورة الرعد قوله تعالى : ( وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) ( الرعد : 3 ) ، ثم قال تعالى : ( وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) ( الرعد : 4 ) ، للسائل أن يسأل عن وقله في الأولى : ( لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) وفي الثانية : ( لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) وهل كان يصح ورود الأول مكان الثاني والثاني مكان الأول ؟ والجواب : أن معتبرات الآية الأولى من مد الأرض ( وما ذكر ) بعد ذلك أوضح للاعتبار ، ومعتبرات الثانية أغمض ، ألا ترى أن تجاوز قطع الأرض وتقاربها في الصفات والهيئات من سهل وحزن ، ثم تخرج أنواع الجنات من النخل والأعناب وضروب الأشجار والنبات والزرع ، واختلاف الطعوم في ثمراتها والألواح والروائح ، وتفاوت الطيب والمنافع الحاصلة عن ذلك من غذاء ودواء نافع وضار مع تقارب الأرض وتجاورها وتشاكلها وسقيها بماء واحد كما قال الله تعالى : ( يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ) ، وهذا مما تنقطع الأفكار وتقصر العقول عن عجيب الصنع الرباني فيه ، وأما معتبرات الأولى فيتوصل بالفكر إلى الحصول على الاعتبار بها وتعقلها وعجيب الحكمة فيها ، وغموض ما في الثانية بادولا يتوصل إلى بعض ذلك إلا بعد طول الاعتبار والتأييد منه سبحانه والتوفيق ، فلما كان العقل أشرف وأعلى ناسبه ان يتبع به ما هو أغمض وأخفى ، وناسب الفكر ما هو أظهر وأجلى ، فقيل في عقب الآية الأولى : ( لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) وفي عقد الآية الثانية : ( لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) ولو ورد العكس لم يكن ليناسب ، والله ( سبحانه ) أعلم . الآية الثالثة من سورة الرعد قوله تعالى : ( وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا ) ( الرعد : 15 ) ، وفي سورة النحل : ( وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ ) ( النحل : 49 ) فيها سؤلان : خصوص آية الرعد ( ( بمن ) ) وآية النحل ( ( بما ) ) ، وزيادة قوله : ( ( والملائكة ) ) ولم يرد ذلك في سورة الرعد ؟ والجواب عن الأول : أن ورود ( ( من ) ) في سورةة الرعد لا سؤال فيه ، فإن قبول الأوامر وامتثال الطاعات بالقصد والاختيار بمشيئة الله سبحانه إنما يكون من أصحاب